قال البروفيسور عوزي ربي، في تصريحات لموقع "بكرا"، إن إسرائيل تقف أمام اختبار استراتيجي حساس في ظل تقدم المفاوضات مع طهران ومحاولة حزب الله ترميم صورته وإظهار أنه لا يزال لاعباً مركزياً في لبنان والمنطقة. وأضاف أن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت إسرائيل ستعود إلى سياسة الاحتواء التي سبقت السابع من أكتوبر، أم ستعمل على منع تحوّل الحدود الشمالية مجدداً إلى ساحة استنزاف خطيرة.

وأوضح ربي أن الحديث عن حصول إسرائيل على "ضوء أخضر" من البيت الأبيض للعمل في جنوب لبنان يحمل في داخله تحذيراً أيضاً، لأنه يدل على أن حرية عمل إسرائيل في الشمال لم تعد أمراً بديهياً. واعتبر أن الهجمات في صور والنبطية لا تعني استهداف بيروت، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز خط التماس المباشر، وتحمل رسالة إلى حزب الله وواشنطن بأن المواجهة في الشمال لا يمكن حصرها في شريط أمني ضيق قرب الحدود.

مرحلة تشكيل الواقع 

وأشار ربي إلى أن المرحلة الحالية تقع بين التفاهمات الأولية بشأن الاتفاق مع إيران وبين توقيع الاتفاق نفسه، وهي مرحلة يحاول كل طرف فيها تشكيل الواقع الذي سيدخل إلى النص النهائي. وقال إن إيران وحزب الله يحاولان تحويل هذا الوقت إلى زخم سياسي ومعنوي لصالحهما، عبر إظهار القدرة على الصمود واستعادة الثقة، فيما يجب على إسرائيل، برأيه، أن تفعل العكس تماماً وأن تعمل على قلب الزخم في لبنان.

وأضاف أن حزب الله يسعى إلى تقديم نفسه مجدداً كـ"حامي لبنان"، رغم أنه، بحسب ربي، يضع لبنان على حافة الهاوية. وقال إن رسائل نعيم قاسم لا تتوجه إلى إسرائيل فقط، بل إلى الساحة اللبنانية، وإلى إيران، والولايات المتحدة، والجمهور الشيعي أيضاً، ومضمونها أن حزب الله لم ينكسر، ولم يختف، ولا ينوي التحول إلى لاعب ثانوي.

واعتبر ربي أن الاتفاق الآخذ بالتبلور مع إيران، حتى قبل توقيعه، يمنح حزب الله دفعة معنوية، ويتيح له القول إنه خرج من العاصفة. وأضاف أن لبنان يجد نفسه مرة أخرى داخل معادلة لا تخصه وحده: دولة منهكة، اقتصاد متعب، وجمهور سئم الحروب، في مقابل تنظيم مسلح قادر على إشعال الحدود وإرباك الحكومة والمتاجرة بمصير الدولة.

دروس السابع من اكتوبر 

وقال ربي إن المسألة بالنسبة لإسرائيل ليست تكتيكية، بل تتعلق بما إذا كانت دروس السابع من أكتوبر قد استُوعبت فعلاً. وأضاف أن الدرس الأساسي لم يكن استخبارياً أو عملياتياً فقط، بل كان مفاهيمياً: لا يمكن التعامل مع تهديد على الحدود باعتباره جزءاً من إدارة الروتين، ولا يمكن التعود على وجود تنظيم مسلح قرب الحدود ثم الاكتفاء بردود "محدودة" و"متناسبة".

وشدد ربي على أن سكان الشمال لا يريدون "احتواءً مستقراً"، بل يريدون أمناً حقيقياً. وقال إنهم لا يمكن أن يتحولوا إلى هامش في اتفاق مع إيران أو إلى ثمن جانبي لترتيبات إقليمية أوسع. وأضاف أن الضربات في صور والنبطية مهمة ليس فقط بسبب الأهداف التي أصابتها، بل بسبب الرسالة التي تحملها: المعادلة اللبنانية لا تنتهي عند السياج الحدودي، وحرية العمل الإسرائيلية لا يجب أن تُحصر في المنطقة القريبة من الحدود.

منع حزب الله

ورأى ربي أن الهدف ليس الحرب من أجل الحرب، بل منع حزب الله من العودة إلى المعادلة القديمة: بناء القوة، رد إسرائيلي حذر، ثم ضغط دولي للحفاظ على الهدوء. وقال إن على القيادة الإسرائيلية أن تتحدث بوضوح مع واشنطن، وأن توضح أن أي تسوية إقليمية يجب أن تحافظ على حرية العمل الإسرائيلية في لبنان، لا أن تقلصها، لأن أي متنفس اقتصادي لإيران قد يتحول بسرعة إلى متنفس تنظيمي لحزب الله في لبنان.

وختم ربي بالقول إن الفترة الفاصلة بين صياغة إطار الاتفاق مع إيران وتوقيعه ليست وقت انتظار، بل وقت عمل سياسي وعسكري وإعلامي. وأضاف أن على إسرائيل أن تستغل هذا الوقت لإعادة الزخم في لبنان، بحيث يكون حزب الله أبعد عن الحدود، أقل قدرة على الترميم، وأكثر ردعاً، وأن تفهم واشنطن أن حرية العمل الإسرائيلية ليست بنداً ثانوياً. وحذر من أنه إذا بقي لبنان معلقاً بسلاح حزب الله، وإذا احتاجت إسرائيل إلى طلب "ضوء أخضر" للدفاع عن مواطنيها، فلن يكون هناك نظام إقليمي جديد، بل نسخة أكثر تهذيباً من الخطر القديم نفسه.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]