من بسمة طبعون، بدأ محمد أبو عبيد، المعروف بـ"أبو الأمير"، رحلته التجارية من بدايات متواضعة. عمل في الأفراح لسنوات، ثم دخل عالم التجارة والاستيراد عام 2006، حين كانت الصين بعيدة في الجغرافيا والمعلومة والخبرة. بعد نحو عشرين عامًا، تحولت تجربته إلى مشروع تعليمي يرافق من خلاله مجموعات من الشباب، رجال الأعمال وسيدات الأعمال إلى الصين، بهدف تعريفهم على الاستيراد من أرض الواقع.
أبو عبيد، صاحب شركة "امير للتسويق" و"ترند طعم السعادة"، لا يقدم نفسه كتاجر فقط، بل كصاحب تجربة يريد نقلها إلى جيل يبحث عن فرصة اقتصادية آمنة، بعيدًا عن المال السهل والطرق الخطرة. في هذه المقابلة يتحدث عن بداياته، أخطاء الاستيراد، فحص المنتجات، التكاليف المخفية، وأهمية أن يبدأ الشاب بخطوة صغيرة لكنها صحيحة.
كيف بدأت رحلتك مع الاستيراد؟
بدأت أول تجربة لي في الاستيراد عام 2006. اليوم مرّ على هذه التجربة نحو عشرين عامًا. كانت البداية من الصين، وكانت ناجحة، رغم أن الطريق لم يكن واضحًا. لم تكن هناك ثقافة كافية، ولا معلومات متاحة، ولا أشخاص يشرحون لك كيف تبدأ. تعلمت من التجربة المباشرة، وأخطأت كثيرًا، ووقعت في مطبات كثيرة، لكنني أخذت كل خطأ كدرس.
في البداية تخصصت في مجال الأفراح، الديكورات، زينة القاعات، وكل ما يحتاجه مصممو الحفلات. كنت أبحث دائمًا عن التميّز، لا عن المنتج العادي. استوردت من الصين، الهند، ودول عربية. ومع الوقت فهمت أن التجارة ليست مجالًا واحدًا، بل عالم واسع. التاجر الناجح لا يبقى في زاوية واحدة، بل يوسّع نظرته ويتعلم أكثر من سوق وأكثر من منتج.
ما التجربة التي جعلتك تشعر أن الاستيراد يمكن أن يفتح باب رزق حقيقيًا للشباب؟
عندما رأيت أن المنتج الذي أستورده يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل، وأن الزبون يبحث عن التميّز، فهمت أن الاستيراد ليس مغامرة فقط. هو فرصة حقيقية لمن يتعلمها بشكل صحيح.
اليوم كثير من الشباب يبحثون عن المال السريع، وهذا خطير. جزء من السبب أن لا أحد يشرح لهم أن هناك طرقًا قانونية ونظيفة لبناء رزق. التجارة فيها تعب، لكنها تفتح أفقًا. الاستيراد يمكن أن يعطي الشاب استقلالية، مشروعًا خاصًا، وثقة بالنفس، شرط أن يدخله بوعي لا بعشوائية.
لماذا اتجهت إلى السوشيال ميديا لتعليم الاستيراد؟
دخلت السوشيال ميديا لأنني رأيت فراغًا كبيرًا. لا أحد يقدم محتوى واضحًا عن فن الاستيراد، خصوصًا باللغة القريبة من الناس. أنا لا أقدم معلومات نظرية. أقدم أشياء تعلمتها من السوق، من السفر، من الأخطاء، ومن التعامل مع الموردين والمصانع.
عندي أولاد وشباب، وأرى كيف أصبح الواقع صعبًا. الجريمة انتشرت، وكثير من الشباب صاروا يبحثون عن المال السهل. أردت أن أقول لهم إن هناك طريقًا آخر. التجارة طريق محترم، والاستيراد باب رزق، لكن يجب أن تعرف كيف تدخل إليه.
عندما يرى شاب منتجًا غريبًا أو مطلوبًا في الخارج، كيف يعرف إن كان مناسبًا للسوق المحلي؟
ليس كل منتج جميل يصلح للبيع. هذه أول قاعدة. أحيانًا يرى الشاب منتجًا في الصين أو على الإنترنت ويعتقد أنه سيحقق أرباحًا كبيرة، لكنه لا يسأل السؤال الأهم: هل هذا المنتج مطلوب عند الناس هنا؟ وهل يناسب قدرة الزبون الشرائية؟ وهل يمكن إدخاله إلى البلاد أصلًا؟
قبل شراء أي منتج يجب فحص ثلاثة أمور. أولًا، هل هناك حاجة حقيقية له في السوق؟ ثانيًا، من هو الزبون الذي سيشتريه؟ ثالثًا، ما السعر النهائي بعد الشحن والجمارك والضرائب والتخزين والتسويق؟
الفكرة الجذابة لا تكفي. السوق هو الذي يقرر. لذلك أنصح دائمًا بأن يبدأ التاجر بفحص صغير، عينة محدودة، أو كمية قليلة، قبل أن يضع كل رأس ماله في منتج واحد.
ما الخطوات العملية الأولى قبل شراء أي بضاعة؟
أول خطوة هي تحديد المنتج بدقة. لا يكفي أن تقول أريد استيراد ألعاب أو أدوات منزلية أو إلكترونيات. يجب أن تعرف النوع، الجودة، المقاس، المواد، التغليف، المواصفات، والسعر الذي يستطيع السوق تحمله.
بعد ذلك يجب فحص المورد. لا أتعامل مع مورد فقط لأنه أعطاني سعرًا رخيصًا. أطلب صورًا، فيديوهات، عينات، شهادات إن وجدت، وأفحص إن كان مصنعًا أم وسيطًا. ثم أفحص تكاليف الشحن، المدة، طريقة الدفع، وشروط التسليم.
الخطوة الثالثة هي فحص القانون. هل المنتج مسموح؟ هل يحتاج إلى موافقة؟ هل عليه مواصفة؟ هل يحتاج إلى فحص قبل دخوله؟ هذه المرحلة لا يجوز تجاهلها، لأن بضاعة عالقة في الميناء قد تتحول إلى خسارة كبيرة.
كثيرون يعتقدون أن الاستيراد يعني شراء منتج رخيص وبيعه بسعر أعلى. ما الحقيقة؟
هذه أكبر فكرة خاطئة. الاستيراد ليس فقط أن تشتري بدولار وتبيع بعشرة. هناك تكاليف لا يراها المبتدئ. هناك شحن، تأمين، جمارك، ضريبة قيمة مضافة، تخليص، تخزين، نقل داخلي، تغليف، تسويق، عمولات، وربما تلف أو تأخير أو بضاعة لا تطابق العينة.
أحيانًا يكون السعر في الصين مغريًا جدًا، لكن عندما تضيف كل التكاليف تكتشف أن الربح قليل، أو أن المنتج لا ينافس في السوق. لذلك أقول دائمًا: احسب السعر النهائي قبل أن تشتري، لا بعد أن تصل البضاعة.
كيف يعرف التاجر إن كان المنتج مسموحًا إدخاله إلى البلاد؟
يجب أن يفحص المنتج من خلال بنده الجمركي، لأن تصنيف البضاعة هو الذي يحدد الضرائب، والتصاريح، والموافقات المطلوبة. هناك منتجات تدخل بسهولة، وهناك منتجات تحتاج إلى مواصفات أو رخصة أو موافقة جهة رسمية.
في البلاد، هناك منتجات تخضع لفحص المواصفات، وهناك منتجات تحتاج إلى جهات مختصة، مثل الغذاء، المكياج، الألعاب، الأجهزة الكهربائية، وبعض المنتجات التي تمس سلامة المستهلك. لذلك لا أدفع للمورد قبل أن أفحص هذه النقطة مع مخلص جمركي أو جهة مهنية تعرف قوانين الاستيراد.
ما أهمية الجمارك، الضرائب، المواصفات، والتصاريح قبل الدفع للمورد؟
هذه ليست تفاصيل جانبية. هذه أساس الصفقة. قد تشتري منتجًا ممتازًا، لكن إذا لم يكن مطابقًا للمواصفات أو يحتاج إلى تصريح لم تحصل عليه، فلن تستفيد منه. قد تبقى البضاعة في الميناء، وتدفع أرضيات وتخزينًا وغرامات، وربما تضطر لإرجاعها أو إتلافها.
الاستيراد الصحيح يبدأ قبل الشراء. يجب أن تعرف: كم سأدفع؟ كم سأبيع؟ ما الورق المطلوب؟ هل المنتج مطابق؟ من يخلص البضاعة؟ كم تستغرق العملية؟ ومن المسؤول إذا ظهر خلل؟
ما المنتجات التي يجب التعامل معها بحذر أكبر؟
كل منتج يمس سلامة الإنسان يحتاج إلى حذر أكبر. الغذاء، المكياج، الإلكترونيات، الألعاب، منتجات الأطفال، الأجهزة التي تعمل بالكهرباء، والمنتجات التي تلامس الجسم أو تُستخدم داخل البيت.
هذه المنتجات قد تحتاج إلى فحوصات، شهادات، وامتثال لمعايير محددة. لذلك لا أنصح المبتدئ أن يبدأ بها من أول تجربة إلا إذا كان معه شخص مهني يرافقه. الأفضل أن يبدأ بمنتج أبسط، واضح، قليل المخاطر، وسهل الفحص والتسويق.
ما الخطأ الأكبر الذي قد يوقع شابًا في خسارة من أول تجربة؟
الخطأ الأكبر هو التسرع. الشاب يرى منتجًا، يتحمس، يشتري كمية كبيرة، ثم يكتشف أنه لم يفحص السوق، ولا المورد، ولا القوانين، ولا التكلفة النهائية.
هناك أخطاء أخرى خطيرة: الثقة بمورد غير معروف، الدفع الكامل قبل التأكد، شراء بضاعة بلا عينة، تجاهل المخلص الجمركي، وعدم حساب التكاليف المخفية. لكن أصل كل هذه الأخطاء هو التسرع.
في الاستيراد لا يكفي أن تكون شجاعًا. يجب أن تكون صبورًا ودقيقًا.
أنت ترافق مجموعات إلى الصين. ماذا يتعلم المشاركون هناك؟
المشروع الذي أعمل عليه منذ سنة ونصف هو دورات تعليمية وسياحية إلى الصين. نأخذ مجموعات ونعلّمهم الاستيراد من أرض الواقع. كيف يختارون المنتج، كيف يدخلون السوق، كيف يتعاملون مع المصانع، كيف يقارنون الأسعار، وكيف يفهمون قوانين الاستيراد.
خرجت معي مجموعات من البلاد ومن دول عربية، من بينها رجال أعمال، سيدات أعمال، شباب وصبايا في بداية الطريق، أطباء، مهندسون، ممرضون، مدراء مدارس، معلمون، وأشخاص درسوا التجارة والبزنس في الجامعات. لكن التعليم في أرض الواقع مختلف. عندما ترى المصنع، العينة، السعر، والتفاوض أمامك، تفهم التجارة بطريقة أخرى.
حتى الآن خرجت في 12 رحلة خلال سنة ونصف، والحمد لله المشروع أخذ صدى واسعًا، لأن الناس كانت تظن أن الاستيراد أمر مستحيل أو محصور بمجموعة صغيرة من التجار. أنا أقول لهم: الطريق ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى معرفة.
هل يخاف التجار من تعليم الآخرين؟
للأسف نعم. هناك تجار ومستوردون لا يريدون أن يشرحوا الصورة للناس، لأنهم يخافون أن يقترب آخرون من المجال. أنا أرى الأمر بالعكس. الرزق ليس حكرًا على أحد. إذا تعلم الشباب التجارة الصحيحة، فهذا يقوي المجتمع ويخلق فرصًا جديدة.
أنا لا أقول إن كل شخص سيصبح مستوردًا كبيرًا. لكن كل شخص يستطيع أن يتعلم كيف يفكر كتاجر، كيف يحسب، كيف يفحص، وكيف لا يقع ضحية الجهل أو الاستغلال.
ما النصيحة التي تقدمها لشاب أو شابة يريدون دخول عالم الاستيراد برأس مال صغير؟
ابدأ صغيرًا. لا تبدأ بكل ما تملك. لا تشترِ كمية كبيرة من أول مرة. افحص المنتج، السوق، السعر، والمورد. خذ عينة. استشر مخلصًا جمركيًا. اسأل من سبقك. لا تخجل من التعلم.
اختر منتجًا بسيطًا، مطلوبًا، ولا يحتاج إلى تعقيدات كبيرة في المواصفات والتصاريح. احسب كل شيء على الورقة قبل أن تدفع. ضع احتمالًا للخطأ، للتأخير، ولخسارة جزء من المال. التجارة ليست ضربة حظ. التجارة معرفة، نفس طويل، وتجربة تراكمية.
وأهم نصيحة: لا تبحث عن الربح السريع. ابحث عن الطريق الصحيح. من يبدأ صح، يكبر صح.
كيف تلخص تجربتك بعد عشرين عامًا في الاستيراد؟
أنا بدأت من تحت الصفر. عملت كعامل، ثم في الأفراح، ثم دخلت التجارة. لم أولد وفي فمي ملعقة ذهب. كل شيء جاء بالتعب، السعي، والمطبات.
اليوم أقدّم خلاصة عشرين عامًا للناس. لا أقدم لهم وعودًا سهلة. أقول لهم إن الاستيراد جميل، لكنه يحتاج إلى جدية. من يريد أن يكون صاحب بزنس يجب أن يكون عنيدًا، صبورًا، ويتعلم من الواقع.
أنا فخور أنني أساعد شبابًا وصبايا على بناء طريقهم. هذا بالنسبة لي واجب أخلاقي وديني واجتماعي. نريد جيلًا يبحث عن الرزق بالحلال، عن التجارة، عن التطور، لا عن الطرق الخاطئة. هذا هو الهدف من كل ما أقدمه.
[email protected]
أضف تعليق