تكشف أزمة مشاريع الإسكان الحكومية في البلدات العربية عن فجوة واسعة بين خطط الدولة واحتياجات السكان الفعلية. فالعطاءات التي تُطرح لتسويق أراض وبناء أحياء جديدة لا تتحول في حالات كثيرة إلى مشاريع ناجحة على الأرض، بسبب تخطيط لا يأخذ بالحسبان حجم العائلات، نمط الحياة، القدرة الاقتصادية، وكلفة التطوير.

وتبرز رهط كنموذج واضح لهذه الأزمة. ففي أحد مشاريع الإسكان الحكومية ضمن برنامج “سعر للساكن”، عُرضت مئات الشقق بمساحات تقارب 70 مترا مربعا، وهي مساحة لا تلائم احتياجات عائلات بدوية كثيرة تحتاج إلى شقق أوسع، تصل إلى 110 أمتار مربعة على الأقل. ونتيجة هذا الخلل، لم ينجح المشروع في توفير استجابة حقيقية للطلب السكني داخل المدينة.

ويقول عاملون في مجال العقارات إن المشكلة لا تكمن فقط في نقص الأراضي أو في غياب الميزانيات، بل في طريقة التخطيط نفسها. فالمخططات الحكومية تُبنى أحيانا وفق نماذج سكنية لا تناسب البلدات العربية، وتتعامل مع رهط أو كفر قاسم أو جلجولية كما لو كانت شبيهة بمدن يهودية مركزية مثل رعنانا أو سافيون، رغم الفوارق الكبيرة في بنية العائلة، طبيعة السكن، والاحتياجات الاجتماعية.

ويؤدي هذا التخطيط غير الملائم إلى فشل العطاءات أو عزوف المطورين والمقاولين عن التقدم لها. ففي بلدات مثل كفر قاسم، جلجولية وكفر برا، تشير تقديرات في قطاع العقارات إلى أن رسوم التطوير المرتفعة وغياب الجدوى الاقتصادية يمنعان تنفيذ مشاريع كان يفترض أن توفر حلولا سكنية للأزواج الشابة والعائلات التي تبحث عن بيت داخل بلداتها.

ورغم إعلان الجهات الرسمية عن تسويق أراض جديدة في البلدات العربية، فإن جزءا من هذه العطاءات يبقى غير قابل للتنفيذ العملي. فالأرقام الرسمية لا تعكس دائما ما يحدث على الأرض، حيث تصطدم المشاريع بكلفة عالية، بنى تحتية ناقصة، ومخططات لا تلائم احتياجات السكان.

مغادرة البلدات

وتدفع هذه الأزمة عائلات عربية شابة إلى البحث عن سكن خارج بلداتها، في مدن مثل كرميئيل، نوف هجليل، بئر السبع ولاهفيم، حيث تجد أحياء منظمة، بنى تحتية حديثة، مؤسسات تعليمية وخدمات يومية لا تتوفر دائما في بلداتها الأصلية.

وتشير معطيات دائرة الإحصاء المركزية إلى أن العرب يشكلون نحو ثلث سكان نوف هجليل، فيما تبلغ نسبتهم في كرميئيل نحو 5%، مع ارتفاع تدريجي في السنوات الأخيرة. وتعكس هذه المعطيات اتجاها متزايدا لانتقال عائلات عربية إلى مدن أخرى، ليس لأسباب أيديولوجية، بل بسبب ضائقة السكن وفشل مشاريع الإسكان الحكومية في توفير بديل مناسب داخل البلدات العربية.

ويرى عاملون في القطاع أن الحل لا يكمن في زيادة عدد العطاءات فقط، بل في تغيير طريقة التخطيط من الأساس. ويشمل ذلك الإصغاء لاحتياجات السكان، ملاءمة مساحة الشقق لحجم العائلات، خفض كلفة التطوير، وضمان جدوى اقتصادية تجذب المطورين إلى العمل داخل البلدات العربية.

ومن دون هذا التغيير، ستبقى مشاريع الإسكان الحكومية عرضة للفشل، وستستمر العائلات الشابة في مغادرة بلداتها بحثا عن سكن ملائم، خدمات أفضل، واستقرار حياتي لا توفره المخططات الحالية.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]