يتجه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى تعميق سياسة تسليح المجتمع الاستيطاني، بعد إعلانه توسيع منح تراخيص السلاح لتشمل سكان جميع الأحياء اليهودية في القدس. القرار يضع نحو 300 ألف إسرائيلي يعيشون في 41 حيًا ضمن دائرة المؤهلين لحمل السلاح، في خطوة يرى مراقبون أنها جزء من مشروع أوسع لتحويل المستوطنين إلى قوة مسلحة موازية.

هذه السياسة لا تبدو مجرد إجراء أمني عابر. بن غفير يدفع منذ نهاية عام 2023، مستفيدًا من أجواء الحرب، إلى توسيع غير مسبوق في تسليح المدنيين، خاصة في المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. النتيجة كانت تضاعف عدد حاملي السلاح تقريبًا خلال فترة قصيرة، من نحو 170 ألفًا إلى ما يقارب 300 ألف شخص.

كما تلقت وزارة الأمن القومي مئات آلاف طلبات الحصول على السلاح منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث قُدِّم نحو 395 ألف طلب، وأُصدرت بالفعل أكثر من 162 ألف رخصة. هذا الاندفاع نحو التسليح يعكس تحولا في مقاربة الحكومة الإسرائيلية للأمن، يقوم على توسيع دور المدنيين المسلحين بدل الاعتماد الحصري على الجيش والشرطة.

ويرى منتقدو بن غفير أن هذه السياسة تفتح الباب أمام فوضى أمنية، وتمنح شرعية رسمية لظاهرة "المستوطن المسلح"، التي برزت في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة. إذ تعمل هناك وحدات مدنية تعرف باسم "فرق التأهب"، تتكون عادة من عشرات المستوطنين المدربين عسكريًا داخل كل مستوطنة، وتتحرك كقوة تدخل أولي قبل وصول الجيش.

ورغم تقديم هذه الوحدات باعتبارها أدوات دفاع محلية، فإنها تعمل فعليًا بتنسيق مباشر مع المؤسسة العسكرية، وقد جُهزت بأسلحة متطورة تشمل بنادق قنص بعيدة المدى وبنادق هجومية، إضافة إلى معدات مراقبة ليلية وطائرات مسيّرة.

توسيع هذا النموذج ليشمل القدس يشير إلى نقل تجربة "الاستيطان المسلح" من الضفة الغربية إلى المدينة، وهو ما يثير مخاوف من زيادة التوترات وتحويل الأحياء الاستيطانية إلى مناطق مسلحة بشكل دائم.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. تقارير ميدانية تشير إلى ارتفاع واضح في الهجمات المسلحة منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث سجلت زيادة بنحو 25 في المئة في الأسابيع الأولى فقط.

وخلال أسبوع واحد قُتل ثمانية فلسطينيين، خمسة منهم برصاص مستوطنين، في مؤشر على خطورة توسع ظاهرة التسليح المدني.

وتحدث هجمات شبه يومية في مناطق متعددة من الضفة الغربية، حيث يستخدم المستوطنون الأسلحة النارية لإرهاب الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم، في إطار ما يراه كثير من المراقبين سياسة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية تمهد لضم فعلي لمناطق واسعة من الضفة.

تقارير دولية تؤكد هذا الاتجاه. مجلة Foreign Policy تحدثت عن نظام أمني هجين تديره إسرائيل في الضفة الغربية، يجمع بين الجيش والشرطة ووحدات استيطانية مسلحة تعمل بشكل شبه منظم.

كما أشار تقرير في مجلة The New Yorker إلى أن نسبة كبيرة من المستوطنين الذكور هم جنود احتياط في الجيش الإسرائيلي، يخضعون لتدريبات متكررة، ما يعزز التداخل بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية.

وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة الإسرائيلية توسيع المشروع الاستيطاني على الأرض. تقارير إسرائيلية كشفت عن إنشاء نحو 40 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة منذ اندلاع الحرب على غزة، إلى جانب شق طرق التفافية وبناء مواقع عسكرية لحمايتها.

اليوم يعيش نحو نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية، مع توقعات بارتفاع هذا العدد خلال السنوات المقبلة.

في المقابل، حذرت جهات فلسطينية من أن سياسة بن غفير في تسليح المستوطنين تمثل تحريضًا رسميًا على العنف، وتمنح الجماعات المتطرفة غطاءً قانونيًا لارتكاب المزيد من الهجمات ضد الفلسطينيين.

وبينما تقدم الحكومة الإسرائيلية هذه الخطوات باعتبارها إجراءات دفاعية، فإن الواقع الميداني يظهر نتيجة مختلفة تمامًا. توسع تسليح المستوطنين لا يخفف التوتر، بل يرسخ نموذج المجتمع المسلح ويزيد من احتمالات الانفجار في الضفة الغربية والقدس.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]