الرملة – احتضن المبنى الثقافي في الرملة مساء اليوم عرض «زمن الريل» لفرقة سراج، بحضور مئات من أبناء الرملة واللد ويافا، في أمسية ثقافية لافتة أكدت تعطّش الجمهور المحلي لفن جاد، ناقد، ويحترم عقل المتلقي.
أقيم العرض بتنظيم عضو بلدية الرملة المحامي موسي سابا، إيمانًا منه بالرسالة الفنية للعمل وبأهمية تقديم عروض هادفة تحترم وعي الجمهور وتراهن على ذكائه، لا على الاستسهال أو الاستهلاك السريع. وقد ساهم في إنجاح التنظيم كل من الناشط الاجتماعي المحامي ديمتري شاهين، ونيفين كور المسؤولة عن الثقافة العربية في بلدية الرملة، والمربية أميرة فانوس، ضمن تعاون مجتمعي يعكس مسؤولية ثقافية مشتركة.
عمل فني يشتبك مع زمنه
«زمن الريل» ليس عرضًا غنائيًا تقليديًا، بل تجربة موسيقية–مسرحية تُصنَّف كـ«كباريه موسيقي مسرحي»، تستعير إيقاع “الريلز” لتفكيك عالم السوشيال ميديا، حيث تتسارع الصور، وتتداخل الأصوات، ويُختزل الزمن في لقطات خاطفة. يحوّل العرض هذا الإيقاع المتشظي إلى لغة فنية واعية، تكشف أثره على الوعي، والذاكرة، والذائقة، دون خطابية أو وعظ مباشر.
المايسترو سامر بشارة: ضبط الفوضى بالموسيقى
يقود العرض موسيقيًا المايسترو سامر بشارة، الذي نجح في تحويل التشظّي السمعي والبصري لعالم “الريلز” إلى بنية موسيقية متماسكة. التوزيع والقيادة لم يكونا عنصرًا مكمّلًا فحسب، بل العمود الفقري الذي أمسك إيقاع العمل، وخلق توازنًا بين الفوضى المقصودة والانضباط الفني، في رهان واضح على ذائقة الجمهور وقدرته على المتابعة والتأمل.
النص والإخراج: عامر حليحل… مسرح بلغة العصر
العمل من تأليف وإخراج عامر حليحل، الذي قدّم رؤية مسرحية ذكية تعتمد المشاهد القصيرة والانتقالات السريعة، في محاكاة واعية لعالم “الريلز”. يضع النص المتلقي أمام مرآة زمنه، ويسأله عمّا إذا كنا قد بدأنا نعيش الواقع بالطريقة ذاتها التي نستهلك بها المحتوى: سريعًا، مجتزأً، ومشحونًا بالتناقضات.
هنري أندراوس: أداء يربط السخرية بالمرارة
يشكّل حضور الممثل هنري أندراوس عنصرًا محوريًا في العرض، إذ يوازن بين السخرية والعمق، ويمنح العمل بعده الإنساني داخل هذا الإيقاع المتسارع. أداؤه لا يسعى إلى الإبهار، بل إلى كشف التوتر القائم بين الإنسان وصورته الرقمية، في أداء يربط الغناء بالتمثيل ويقود الجمهور عبر مفارقات العرض.
سراج والفريق الفني: منظومة واحدة
يقف خلف «زمن الريل» فريق فني متكامل، حيث تلتقي الموسيقى مع السينوغرافيا، والإضاءة مع الصوت، لتشكّل جميعها لغة العرض. هذا التكامل منح العمل بعده البصري والسمعي، وجعل من الفضاء المسرحي جزءًا من الفكرة لا مجرد خلفية لها.
جمهور شريك لا مستهلك
التفاعل الكبير داخل القاعة—من الإنصات العميق إلى التصفيق الطويل—دلّ على أن الجمهور لم يكن متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في التجربة. «زمن الريل» لم يسعَ إلى الإبهار السريع، بل إلى فتح مساحة تفكير، وهو ما منح العرض ثقله الحقيقي.
كلمة أخيرة
«زمن الريل» في الرملة لم يكن مجرد عرض عابر، بل تجربة ثقافية أعادت التذكير بأن الجمهور ما زال يبحث عن فن يحترم وعيه ويخاطب أسئلته لا غرائزه. النجاح الجماهيري والتفاعل اللافت أكدا أن هذا النوع من الأعمال يجد صداه حين يُقدَّم بصدق، وأن الرملة قادرة—حين تتوافر الرؤية—على أن تكون محطة أساسية للفن النوعي في المشهد الثقافي المحلي
[email protected]
أضف تعليق