قال د. يوسف جبارين لـ“بكرا” إن السنوات الأخيرة تحوّلت في مجتمعنا إلى مسلسلٍ من عدّ الضحايا جرّاء العنف والجريمة، “نَدفن القتلى، ونعالج المصابين، ونتضامن مع المهددين”، وفي الخلفية سؤال يتكرر في كل بيت: من التالي؟ من ستكون الضحية القادمة؟ وأين ستقع الجريمة القادمة؟ وأين ستكون الجنازة القادمة التي سنخرج بها؟
وأضاف جبارين لـ“بكرا” أن الحراك الشعبي الذي شهدته سخنين، وامتد إلى عشرات البلدات العربية بشكل غير مسبوق خلال الأسبوع الأخير احتجاجًا على تفشي العنف والجريمة، وعلى ما وصفه بتواطؤ المؤسسة والشرطة، كشف حقيقة أساسية مفادها أن المجتمع لم يقل كلمته الأخيرة بعد. وأكد أن المجتمع لا يمكن أن يقبل بأن يخاف الأطفال من الخروج من بيوتهم خوفًا من رصاصة، ولا أن يُحرم الناس من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، وكأن الخوف والترهيب كُتبا على البلدات والشوارع والأحياء.
ليس قدر
وشدد جبارين لـ“بكرا” على أن العنف والجريمة “ليسا قدرًا محتومًا”، وأنهما ليسا جزءًا من “ثقافتنا” كما يدّعي العنصريون والفاشيون، بل هما نتاج سياسات حكومية. وشرح أن هذه السياسات صنعت واقع الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، وعمّقت غياب سياسات التخطيط، ومنعت البلدات العربية من النمو والتطور بشكل طبيعي. وأضاف أن هذا الواقع تفاقم بفعل التقاعس الشرطي، بل ما سماه “التواطؤ”، الذي أتاح تشكّل عصابات الإجرام، ومنحها عمليًا “حكمًا ذاتيًا” داخل المجتمع.
وقال جبارين لـ“بكرا” إن النقاش الدائر في الأسابيع الأخيرة داخل المجتمع حول آليات وأدوات مواجهة هذه الآفة “هام وضروري”، مشيرًا إلى أن التداول يجري حول طيف واسع من الأفكار المطروحة على الطاولة. وذكر من بينها الإضرابات والاعتصامات الاحتجاجية في مفارق الطرق، مرورًا بإضرابات مفتوحة ومقاطعات اقتصادية مؤثرة، وصولًا إلى العصيان المدني. واعتبر أن هذه خطوات تصعيدية يجب التعامل معها بجدية، ورفع مستوى الجهوزية الجماعية لها، وفحص انعكاساتها على المجتمع.
وأوضح جبارين لـ“بكرا” أن نجاح الخطوات التصعيدية يتطلب توافقًا مجتمعيًا كبيرًا يصل إلى حدود الإجماع تقريبًا، كما يتطلب جهوزية تنظيمية عالية. وبيّن أن الهدف من ذلك توجيه رسالة مباشرة إلى المؤسسة الحاكمة وإلى الدولة برمتها: إذا لم تحفظ الدولة الحق الأساسي بالحياة الآمنة، “فإننا لن نحفظ لها الحياة العادية”. ودعا إلى الانتقال من مرحلة طرح الأفكار إلى مرحلة التخطيط العملي عبر الهيئات التمثيلية، وبمشاركة كل الأحزاب والحراكات والمؤسسات والجمعيات والنقابات وكافة القطاعات المهنية والمجتمعية، للتحضير والتنفيذ بصورة جماعية.
تغيير سياسي
وفي البعد السياسي، قال جبارين لـ“بكرا” إنه لا يمكن تجاهل ضرورة إحداث تغيير سياسي يتمثل بتغيير الحكومة والائتلاف الحاكم، معتبرًا أن الأفق يبقى محدودًا جدًا مع الحكومة الحالية، وخصوصًا مع وزير “الأمن القومي” الذي وصفه بأنه “كهاني”. وأضاف أن ما جرى اختباره خلال السنوات الأخيرة يزيد من المسؤولية الواقعة على عاتق القيادة والمجتمع لبذل أقصى الجهد في الانتخابات القادمة، بهدف رفع نسبة التصويت في المجتمع العربي، بما يسهم بصورة جدية في إلحاق الخسارة بالائتلاف الذي وصفه بالعنصري والخطير.
وأشار جبارين لـ“بكرا” إلى أن هذا العام هو عام الانتخابات البرلمانية، وأن القائمة المشتركة كانت وما زالت إطارًا سياسيًا مركزيًا ومجرّبًا لرفع نسبة التصويت وتعزيز الإرادة لدى أبناء وبنات المجتمع للمشاركة السياسية الواعية والفعّالة. وقال إن ذلك سينعكس بالضرورة على نتائج الانتخابات النهائية وعلى شكل الحكومة القادمة، ولذلك اعتبر أن إعادة تشكيل القائمة المشتركة هو مسار لا بد من سلوكه عند التفكير بمواجهة العنف والجريمة في المجتمع العربي.
الصعيد الدولي
وعلى الصعيد الدولي، قال جبارين لـ“بكرا” إن من المهم تكثيف طرح قضية العنف والجريمة على جدول الأعمال الدولي بهدف الضغط على الحكومة الحالية والحكومات القادمة، وخاصة أمام المؤسسات الدولية الوازنة مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي وغيرها. وأوضح أن العمل في هذا الاتجاه شهد تقدمًا خلال السنوات التي نشطت فيها لجنة العلاقات الدولية في القائمة المشتركة، لكنه شدد على أن الكثير من العمل غير المنجز ما زال قائمًا. وفي الوقت ذاته، أكد أن المسار الدولي “مكمل” للجهود المبذولة في البلاد وليس المسار الأساسي، مشددًا على أن العمل الأساسي كان وما زال في الميدان، مع المجتمع ومع الأبناء والبنات.
وختم جبارين لـ“بكرا” بالتأكيد أن المرحلة تتطلب عدم الاستكانة وعدم السماح لخطاب اليأس بالتسلل، مشيرًا إلى أن المجتمع ليس ضعيفًا ولا فاقدًا للقوة، بل يملك قدرات كبيرة وقوة سياسية واقتصادية ومجتمعية، ويمكنه أن يكون قوة دولية أيضًا. وقال إن هذه القوة تتضاعف عندما يكون المجتمع موحدًا ومتحدًا.
[email protected]
أضف تعليق