تظل إيران في قلب التوترات الإقليمية، مع احتمالات مواجهة عسكرية أميركية–إسرائيلية، في ظل استعداد طهران للرد المباشر. وتشير التقديرات إلى أن أي تصعيد سيكون له تداعيات كبيرة على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. كما يطرح مستقبل الحكم في إيران أسئلة مصيرية حول المسار السياسي والاجتماعي في البلاد.

وفي حديث لموقع بكرا مع د. أحمد الخزاعي، مستشار سياسي في واشنطن، قال إن "التقديرات الراهنة تشير إلى أن احتمال توجيه ضربة عسكرية ضد إيران يظل قائمًا، وإن كان محفوفًا بمستويات عالية من المخاطر الاستراتيجية". وأضاف أن "إسرائيل رفعت حالة التأهّب القصوى، بينما أعلنت طهران استعدادها للرد على أي هجوم، الأمر الذي يجعل أي خيار عسكري محمّلًا بتداعيات إقليمية واسعة".

وشدد الخزاعي على أن "التصعيد العسكري سيقوّض فرص الحلول الدبلوماسية، ويزيد من حدة الاحتجاجات الداخلية في إيران، فضلًا عن انعكاساته الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة تهديد الملاحة في مضيق هرمز". وقال: "في حال تجنّب الضربة، ستبقى المنطقة في حالة توتر واستعداد دائم، مع نافذة محدودة للدبلوماسية لتفادي مواجهة مفتوحة".

وقال الخزاعي إن "السؤال الرئيس حال قامت الولايات المتحدة بضرب إيران أو عدمه، هو شكل الحكم في إيران خلال الفترة القادمة"، مشيرًا إلى وجود ثلاثة سيناريوهات رئيسية لفهم مستقبل إيران والمنطقة.

السيناريو الأول: استمرار النظام بقيادة خامنئي

وأشار إلى أنه "في حال مضى النظام الإيراني بقيادة خامنئي في خيار المواجهة المباشرة مع الشارع، فإن ذلك سيعني عسكرة الحياة اليومية بشكل غير مسبوق، حيث ستتحول المدن الكبرى إلى ساحات مواجهة بين المواطنين وقوات الأمن".

وأضاف: "هذا النمط من الحكم القائم على القمع الشامل سيؤدي إلى تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، ويزيد من احتمالية انزلاق البلاد نحو حالة من العنف المستدام، بما يشبه الحروب الأهلية منخفضة الحدة".

وشدد على أن "الاعتماد المفرط على الحرس الثوري والميليشيات سيخلق حالة من التنافس بين المؤسسات العسكرية والأمنية، مما قد يضعف تماسك النظام نفسه ويجعله عرضة لانقسامات داخلية يصعب السيطرة عليها".

وقال الخزاعي إن "استمرار هذا السيناريو سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وسيتزايد الضغط على الطبقات الوسطى والفقيرة، مما يغذي مشاعر الإحباط واليأس، ويدفع الشباب إلى البحث عن بدائل أكثر راديكالية، سواء عبر الانخراط في حركات معارضة أو الهجرة الجماعية".

وأضاف: "قد يحاول النظام استغلال الخطاب الديني والقومي لتبرير القمع، إلا أن هذا الخطاب سيفقد تدريجيًا قدرته على الإقناع أمام حجم المعاناة اليومية للمواطنين".

وفي الشأن الدولي، قال الخزاعي إن "بقاء النظام بقيادة خامنئي مع تصاعد القمع سيضع القوى الكبرى أمام اختبار صعب، حيث ستسعى بعض الدول الغربية لفرض عقوبات إضافية، في حين قد تتجه روسيا والصين إلى تعزيز دعمها للنظام".

السيناريو الثاني: النظام الإيراني بدون خامنئي

وأشار الخزاعي إلى أن "عملية انتقال القيادة ستشكل اختبارًا لمتانة المؤسسات الدينية والسياسية، حيث سيكون مجلس الخبراء في قلب العملية، لكن تأثير الحرس الثوري سيظل حاسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة".

وقال: "هذا التوازن قد يؤدي إلى بروز قيادة جماعية أو شخصية توافقية، إلا أن ذلك لن يخلو من صراعات داخلية بين التيارات المختلفة، تحدد مستقبل توجه النظام السياسي".

وأضاف: "غياب خامنئي قد ينظر إليه المواطنون كفرصة لإعادة طرح مطالب الإصلاح السياسي والاجتماعي، خاصة إذا ارتبطت القيادة الجديدة بخطاب أكثر مرونة أو وعود إصلاحية، فقد يخفف ذلك من حدة الاحتقان ويمنح النظام فترة من الاستقرار النسبي".

وأشار إلى أنه "في حال تبين أن التغيير مجرد إعادة إنتاج للسلطة نفسها، فإن ذلك سيؤدي إلى تعميق فقدان الثقة بين الشعب والنظام، وربما يفتح الباب أمام موجات احتجاجية جديدة أكثر تنظيمًا".

وشدد الخزاعي على أن "القوى الكبرى والإقليمية ستقرأ هذا التحول بحذر، حيث قد ترى بعض الدول الغربية فرصة لإعادة فتح قنوات الحوار مع إيران، بينما ستسعى روسيا والصين لضمان استمرار نفوذها عبر دعم القيادة الجديدة".

السيناريو الثالث: سقوط النظام الإيراني

وقال الخزاعي إن "سقوط النظام الإيراني سيؤدي إلى تفكك مؤسسات الدولة المركزية، ما يفتح الباب أمام نشوء كيانات شبه مستقلة ذات طابع قومي أو مذهبي".

وأضاف: "القوى الإقليمية ستسعى لاستغلال هذا الفراغ لتعزيز نفوذها، سواء عبر دعم جماعات محلية أو التدخل المباشر، مما يزيد من احتمالية تحول إيران إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح".

وأشار إلى أن "الانعكاسات الاقتصادية ستكون بالغة الخطورة، إذ ستتأثر حركة إنتاج وتصدير النفط والغاز بشكل مباشر، مما يضع دول الخليج أمام تحديات استراتيجية للتعامل مع كيان جديد غير مستقر على حدودها".

وشدد الخزاعي على أن "التفاعلات الجيوسياسية ستكون معقدة، حيث ستخلق المطالب الانفصالية في أذربيجان الإيرانية وكردستان توترات مع دول الجوار، مما يجعل من سقوط النظام الإيراني حدثًا يتجاوز حدود الدولة ليصبح أزمة إقليمية شاملة".

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]