يعيش اليوم حوالي 6.8 مليون يهودي إسرائيلي و6.8 مليون فلسطيني في المنطقة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن، وهي منطقة تشمل إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. وفق ما نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش.

تتكوّن هذه الأخيرة من الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة.


في معظم أنحاء هذه المنطقة، إسرائيل هي القوة الحاكمة الوحيدة؛ وهي تمارس في باقي المناطق سلطة رئيسية، إلى جانب حكم ذاتي فلسطيني محدود، تمنح السلطات الإسرائيلية في هذه المناطق امتيازات بشكل ممنهج لليهود في أغلب مناحي الحياة، وتميّز ضدّ الفلسطينيين.

توضح كل من القوانين، والسياسات، وتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين أن الهدف الرامي إلى إبقاءالهيمنة الإسرائيلية اليهودية على التركيبة السكانية، والسلطة السياسية، والأرض هو ما وجّه سياسة الحكومة منذ زمن طويل.

لتحقيق هذا الهدف، عمدت السلطات بدرجات مختلفة من الشدة إلى نزع ممتلكات الفلسطينيين، وإخضاعهم، وعزلهم، وفصلهم قسرا بحكم هويتهم. في بعض المناطق، بحسب ما يظهره التقرير، كان هذا الحرمان شديدا إلى درجة أنه يرقى إلى مستوى الفصل العنصري والاضطهاد، وهما جريمتان ضدّ الإنسانية.



هناك العديد من الافتراضات السائدة التي حجبت واقع التمييز الراسخ في حكم إسرائيل للفلسطينيين، ومنها اعتبار الاحتلال مؤقتا، وأن "عملية السلام" ستضع حدا للانتهاكات الإسرائيلية قريبا، وأن الفلسطينيين يتحكمون حقا في حياتهم في الضفة الغربية وغزة، وأنّ إسرائيل ديمقراطية قائمة على المساواة داخل حدودها. مارست إسرائيل حكما عسكريا على جزء من السكان الفلسطينيين طيلة تاريخها البالغ 73 عاما باستثناء ستة أشهر فقط. مارست ذلك على الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين داخل إسرائيل من 1948 إلى 1966.

من 1967 إلى اليوم، حكمت فلسطينيي الأراضي المحتلة، باستثناء القدس الشرقية، في المقابل، حكمت إسرائيل منذ تأسيسها جميع الإسرائيليين اليهود، ومنهم المستوطنون في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بداية الاحتلال في 1967، بموجب قانون مدني فيه احترام أكبر للحقوق.

على مدى السنوات الـ 54 الماضية، سهّلت السلطات الإسرائيلية نقل اليهود الإسرائيليين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنحتهم مكانة أعلى بموجب القانون مقارنة بالفلسطينيين الذين يعيشون في نفس المناطق في ما يتعلق بالحقوق المدنية، والوصول إلى الأرض، وحرية التنقل والبناء، ومنح حقوق الإقامة للأقارب.



رغم أن الفلسطينيين لديهم قدر محدود من الحكم الذاتي في أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أنّ إسرائيل حافظت على سيطرة أساسية على الحدود، والمجال الجوي، وحركة الأشخاص والبضائع، والأمن، وسجل السكان بأكمله، وهو ما يُحدّد بدوره مسائل أخرى مثل المكانة القانونية وأهلية الحصول على بطاقات الهوية.

عبّر مسؤولون إسرائيليون متعاقبون بوضوح عن نيتهم الحفاظ على هذه السيطرة إلى الأبد، ودعموا ذلك من خلال أفعالهم، بما فيها التوسع الاستيطاني المستمر طيلة "عملية السلام" منذ عقود. قد يؤدي الضمّ الأحادي الجانب لأجزاء أخرى من الضفة الغربية، الذي تعهدت حكومة بنيامين ناتنياهو بتنفيذه، إلى إضفاء طابع رسمي على واقع الهيمنة والقمع الإسرائيلي المنهجي السائد منذ فترة طويلة، دون تغيير واقع كون الضفة الغربية بأكملها محتلة بموجب القانون الدولي للاحتلال، بما فيها القدس الشرقية، التي ضمتها إسرائيل بشكل أحادي الجانب في 1967.

حدد القانون الجنائي الدولي جريمتين ضد الإنسانية لحالات التمييز والقمع المنهجيين: الفصل العنصري والاضطهاد. الجرائم ضدّ الإنسانية من أشنع الجرائم في القانون الدولي.

على مرّ السنين، فصل المجتمع الدولي مصطلح الفصل العنصري، "الأبارتهايد"، عن سياقه الأصلي في جنوب أفريقيا، وفرض حظرا عالميا على ممارسته، واعترف به كجريمة ضدّ الإنسانية وفقا للتعريفات المنصوص عليها في "الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها" لسنة 1973 (اتفاقية الفصل العنصري) و"نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية" لسنة 1998 (نظام روما الأساسي).

جريمة الاضطهاد كجريمة ضدّ الإنسانية، والمنصوص عليها أيضا في نظام روما الأساسي، والحرمان المتعمد والشديد من الحقوق الأساسية على أسس عرقية، وإثنية، وغيرها، انبثقت عن محاكمات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتُعتبر إحدى أخطر الجرائم الدولية، بنفس خطورة الفصل العنصري.



دولة فلسطين هي دولة طرف في كل من نظام روما الأساسي واتفاقية الفصل العنصري. في فبراير/شباط 2021، قضت المحكمة الجنائية الدولية بأن ذلك يعني أن للمحكمة ولاية قضائية على الجرائم الدولية الجسيمة المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأكملها، بما فيها القدس الشرقية، والتي تشمل الجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في الفصل العنصري أو الاضطهاد المرتكب في تلك المنطقة. في مارس/آذار 2021، أعلن مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق رسمي في الوضع في فلسطين.

يُستخدم مصطلح الفصل العنصري بشكل متزايد فيما يتعلق بإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن عادة على سبيل الوصف أو المقارنة وليس بالمعنى القانوني، وغالبا للتحذير من أنّ الوضع يسير في الاتجاه الخاطئ.

على وجه الخصوص، أكد مسؤولون فلسطينيون وإسرائيليون وأمريكيون وأوروبيون، ومعلّقون إعلاميون بارزون وآخرون، أنه إذا استمرت سياسات إسرائيل وممارساتها تجاه الفلسطينيين على المسار نفسه، فإنّ الوضع، في الضفة الغربية على الأقل، سيشكّل فصلا عنصريا.[1] يدّعي البعض أن الوضع الحالي يرقى إلى مصاف الفصل العنصري.[2] غير أن قلة أجروا بحثا قانونيا مفصلا في جريمتَي الفصل العنصري والاضطهاد الدوليتين.[3]

تفحص "هيومن رايتس ووتش" في هذا التقرير إلى أي مدى تمّ تجاوز هذا المستوى بالفعل في بعضٍ من المناطق حيث تمارس إسرائيل سلطتها.

تعريف الفصل العنصري والاضطهاد

يشكّل حظر التمييز الممأسس، خاصة على أساس العرق أو الإثنية، أحد العناصر الأساسية للقانون الدولي.

وافقت معظم الدول على اعتبار أسوأ أشكال هذا التمييز، أي الاضطهاد والفصل العنصري، جرائم ضدّ الإنسانية، ومنحت لـ "المحكمة الجنائية الدولية" صلاحية النظر في هذه الجرائم عندما تكون السلطات الوطنية غير قادرة أو غير راغبة في ذلك. تتكون الجرائم ضدّ الإنسانية من أفعال إجرامية محددة تُرتكب كجزء من اعتداء واسع النطاق أو بشكل ممنهج، أو أعمال تُرتكب في إطار سياسة لدولة أو سياسة تنظيمية، وموجهة ضدّ السكان المدنيين.



تُعرّف اتفاقية الفصل العنصري جريمة الفصل العنصري، وهي جريمة ضدّ الإنسانية، على أنها "الأفعال اللاإنسانية... المرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصرية [عرقية] ما من البشر علي أية فئة عنصرية [عرقية] أخرى من البشر واضطهادها إياها بصورة منهجية". يعتمد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعريفا مماثلا: "أية أفعال لا إنسانية... تُرتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه القمع المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وتُرتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام". لا يقدم نظام روما الأساسي شرحا إضافيا بشأن ما الذي يشكل "نظاما مؤسسيا".

بموجب اتفاقية الفصل العنصري ونظام روما الأساسي، تتكوّن جريمة الفصل العنصري من ثلاثة عناصر أساسية: هي نية الإبقاء على نظام تُهيمن فيه مجموعة عرقية على أخرى؛ وقمع منهجي ترتكبه مجموعة عرقية ضد مجموعة أخرى؛ وعمل أو أعمال لاإنسانية، كما تمّ تعريفها، تُرتكب على نطاق واسع أو منهجي عملا بتلك السياسات.

من الأفعال اللاإنسانية التي حددتها اتفاقية الفصل العنصري ونظام روما الأساسي "الابعاد القسري"، و"نزع ملكية العقارات"، و"خلق محتجزات ومعازل مفصولة"، وحرمان الناس من "الحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية".

يُعرّف نظام روما الأساسي جريمة "الاضطهاد" المرتكبة ضد الإنسانية على أنها "حرمان جماعة من السكان أو مجموع السكان حرمانا متعمدا وشديدا من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي، وذلك بسبب هوية الجماعة أو المجموع"، بما في ذلك على أسس عرقية أو قومية. يُعرّف القانون الدولي العرفي جريمة الاضطهاد على أنها تتكون من عنصرين أساسيين: (1) الانتهاكات الجسيمة للحقوق الأساسية المرتكبة على نطاق واسع أو منهجي، و(2) التي لها نيّة تمييزية.

قلة هي المحاكم التي نظرت في قضايا تنطوي على جريمة الاضطهاد بينما لم تنظر أي محكمة في جريمة الفصل العنصري، ما أدى إلى نقص في السوابق القضائية المتعلقة بمعاني المصطلحات الرئيسية وتعريفاتها. كما يظهر في التقرير، قيّمت المحاكم الجنائية الدولية على مدى العقدين الماضيين الهوية الجماعيةعلى أنها تستند إلى السياق وكيفية بنائه من قبل الأطراف الفاعلة محليا، في مقابل المقاربات الأقدم المرتكزة على المزايا الجسدية الوراثية. في القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما فيه " الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري"، تمّ تفسير العرق والتمييز العرقي على نطاق واسع ليشمل الفوارق على أساس النسب والأصل القومي أو العرقي، من بين فئات أخرى.

تطبيق ذلك على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين

هناك مجموعتان رئيسيتان تعيشان في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم: الإسرائيليون اليهود والفلسطينيون. وهناك جهة واحدة ذات سيادة رئيسية تحكمهم، هي الحكومة الإسرائيلية.

نية إبقاء الهيمنة

الهدف المعلن للحكومة الإسرائيلية هو ضمان الحفاظ على هيمنة اليهود الإسرائيليين في كل مناطق إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

في 2018، أقرّ "الكنيست" قانونا ذا مكانة دستورية أكّد أن إسرائيل "دولة قومية للشعب اليهودي"، وأعلن أن حق تقرير المصير داخل تلك المنطقة "خاص بالشعب اليهودي"، واعتبر "الاستيطان اليهودي" قيمة وطنية. للحفاظ على سيطرة اليهود الإسرائيليين، اعتمدت السلطات الإسرائيلية سياسات تهدف إلى تخفيف ما وصفته علنا بـ "التهديد" الديمغرافي الذي يشكله الفلسطينيون.



شملت هذه السياسات الحد من السكان الفلسطينيين ومن سلطتهم السياسية؛ ومنح حق التصويت فقط للفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدود إسرائيل كما كانت من 1948 إلى يونيو/حزيران 1967؛ والحد من قدرة الفلسطينيين على التنقل من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى إسرائيل، ومن أي مكان آخر في العالم إلى إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما تم اتخاذ خطوات أخرى لضمان الهيمنة اليهودية، ومنها اعتماد الدولة لسياسة "فصل" الفلسطينيين بين الضفة الغربية وغزة، التي حالت دون تنقل الأشخاص والبضائع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، و"تهويد" المناطق التي يسكنها عدد كبير من الفلسطينيين، بما في ذلك القدس وكذلك الجليل والنقب في إسرائيل. هذه السياسة، التي تهدف إلى تعزيز هيمنة الإسرائيليين اليهود على الأرض، جعلت غالبية الفلسطينيين الذين يعيشون خارج المدن الإسرائيلية الرئيسية ذات الأغلبية اليهودية متمركزين في جيوب محاصرة ذات كثافة عالية وخدمات رديئة. كما أنها قيّدت حصولهم على الأرض والمسكن، بينما رعت نموّ التجمعات اليهودية القريبة.

الاضطهاد الممنهج والتمييز المؤسسي

لتنفيذ هدف الهيمنة، تمارس الحكومة الإسرائيلية تمييزا مؤسسيا ضدّ الفلسطينيين. تختلف شدّة هذا التمييز بحسب القواعد المختلفة التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية من جهة في إسرائيل، ومن جهة أخرى في أجزاء مختلفة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يُمارَس الشكل الأشد من هذا التمييز.

في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي اعترفت بها إسرائيل كمنطقة واحدة تشمل الضفة الغربية وغزة، تُعامل السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين بشكل منفصل وغير متساو مع المستوطنين اليهود الإسرائيليين. وفي الضفة الغربية المحتلة، تُخضع إسرائيل الفلسطينيين إلى قانون عسكري قاس، وتُطبق عليهم الفصل، وتحظر دخولهم إلى المستوطنات إلى حد كبير. أما في قطاع غزة المحاصر، فتفرض إسرائيل إغلاقا شاملا ما يقيّد بشدة حركة الأشخاص والبضائع، وهي سياسات غالبا لا تفعل مصر، الجارة الأخرى لغزة، شيئا يذكر لتخفيفها.

في القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل (والتي تعتبرها جزءا من أراضيها السيادية، لكنها تبقى بموجب القانون الدولي منطقة محتلة)، تمنح إسرائيل للغالبية العظمى من مئات آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون هناك وضعا قانونيا يُضعف حقوقهم في الإقامة من خلال ربط هذه الحقوق بعلاقة الفرد بالمدينة، من بين عوامل أخرى. يرقى هذا النوع من التمييز إلى التمييز المنهجي.

في إسرائيل، والتي تعتبرها الغالبية العظمى من الدول أنها تشمل المنطقة المحددة بحدود ما قبل 1967، أدى نظام المواطنة المزدوج والتفريق بين الجنسية والمواطنة إلى وضع الفلسطينيين في مكانة أدنى من اليهود الإسرائيليين بحكم القانون. على خلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يحق للفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل التصويت والمشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، إلا أن هذه الحقوق لا تمكنّهم من التغلّب على التمييز المؤسسي الذي تمارسه بحقهم الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك القيود الواسعة على الوصول إلى الأراضي التي صودِرت منهم، وهدم المنازل، والحظر الفعلي على لمّ شمل العائلات.



تجزئة السكان الفلسطينيين، الذي يُنفذ في جزء منه بشكل متعمد من خلال القيود المفروضة على الحركة والإقامة، يعزّز تنفيذ هدف الهيمنة ويساعد في إخفاء الحقيقة المتمثلة في أن نفس الحكومة الإسرائيلية تقمع نفس المجموعة السكانية الفلسطينية، بدرجات مختلفة في مناطق مختلفة، لصالح نفس المجموعة المهيمنة، المكونة من اليهود الإسرائيليين.

الأفعال اللاإنسانية والانتهاكات الأخرى للحقوق الأساسية

عملا بهذه السياسات، ارتكبت السلطات الإسرائيلية مجموعة من الأفعال اللاإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها فرض قيود شاملة على حركة 4.7 مليون فلسطيني هناك؛ ومصادرة الكثير من أراضيهم؛ وفرض ظروف قاسية، مثل الرفض القاطع لتصاريح البناء في أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، ما جعل آلاف الفلسطينيين يغادرون منازلهم في أوضاع ترقى إلى النقل القسري؛ وحرمان مئات آلاف الفلسطينيين وأقاربهم من حقوق الإقامة بسبب تواجدهم في الخارج عند بداية الاحتلال سنة 1967 أو غيابهم لفترات مطولة في العقدين الأولين من الاحتلال أو نتيجة للتجميد الفعلي للمّ شمل العائلات في العقدين الأخيرين؛ وتعليق الحقوق المدنية الأساسية، مثل حرية التجمع وتكوين الجمعيات، ما حرم الفلسطينيين من فرصة أن يكون لهم صوت في مجموعة واسعة من المسائل التي تؤثر على حياتهم اليومية ومستقبلهم. العديد من هذه الانتهاكات، ومنها الرفض القاطع لتصاريح البناء، والإلغاء الجماعي للإقامة أو تقييدها، ومصادرة الأراضي على نطاق واسع، ليس لها مبررات أمنية مشروعة. أما الانتهاكات الأخرى، مثل القيود المفروضة على التنقل والحقوق المدنية، فلا تحقق أي توازن معقول بين المخاوف الأمنية ومدى خطورة انتهاكات الحقوق الأساسية.

منذ تأسيس دولة إسرائيل، مارست الحكومة أيضا تمييزا منهجيا ضدّ الفلسطينيين وانتهكت حقوقهم داخل حدود الدولة ما قبل 1967، بما في ذلك رفض السماح للفلسطينيين بالوصول إلى ملايين الدونمات من الأراضي (ألف دونم يساوي مائة هكتار، أو حوالي 250 فدان أو 1 كيلومتر مربع) التي صودرت منهم. في منطقة النقب، جعلت هذه السياسات من شبه المستحيل بالنسبة إلى عشرات آلاف الفلسطينيين العيش بشكل قانوني في المجتمعات التي عاشوا فيها على مدى عقود. إضافة إلى ذلك، ترفض السلطات الإسرائيلية السماح لأكثر من 700 ألف فلسطيني ممن فرّوا أو طردوا في 1948 وذرّياتهم من العودة إلى إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرضت قيودا شاملة على الإقامة القانونية، ما منع الكثير من الأزواج الفلسطينيين وعائلاتهم من العيش معا في إسرائيل.

نتائج التقرير

يفحص هذا التقرير السياسات والممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، ويقارنها بمعاملة اليهود الذين يعيشون في نفس المناطق. هذا التقرير ليس تقييما شاملا لجميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وإنما يستعرض ممارسات وسياسات الحكومة الإسرائيلية التي تنتهك الحقوق الأساسية للفلسطينيين والتي تهدف إلى ضمان هيمنة اليهود الإسرائيليين، ويقيّمها في ضوء تعريف جريمتَيْ الفصل العنصري والاضطهاد باعتبارهما جريمتَيْن ضدّ الإنسانية.

يعتمد التقرير على سنوات من البحث والتوثيق من قبل "هيومن رايتس ووتش" ومنظمات حقوقية أخرى، بما في ذلك العمل الميداني الذي أجري في سياق هذا التقرير. راجعت هيومن رايتس ووتش أيضا قوانين إسرائيلية، ووثائق تخطيط حكومية، وتصريحات لمسؤولين، وسجلات الأراضي في إسرائيل. ومن ثم، تم تحليل هذه الأدلة بموجب المعايير القانونية لجريمتي الفصل العنصري والاضطهاد. راسلت هيومن رايتس ووتش في يوليو/تموز 2020 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتمست وجهات نظر الحكومة بشأن القضايا المطروحة، لكنها لم تتلق ردا حتى تاريخ نشر التقرير.

لا يقارن التقرير إسرائيل بجنوب أفريقيا أيام الفصل العنصري أو تحديد ما إذا كانت إسرائيل "دولة فصل عنصري"، وهو مفهوم غير معرف في القانون الدولي. إنما، يقيّم التقرير ما إذا كانت أفعال وسياسات محددة تنفذها السلطات الإسرائيلية اليوم ترقى في مناطق محددة إلى جريمتَي الفصل العنصري والاضطهاد كما يعرّفهما القانون الدولي.

ينظر كل واحد من الأقسام الموضوعية الرئيسية الثلاثة في التقرير في حكم إسرائيل للفلسطينيين: ديناميكيات حكمها وتمييزها بالنظر إلى إسرائيل ثم الأراضي الفلسطينية المحتلة، والانتهاكات الحقوقية الجسيمة التي ترتكبها هناك، وبعض الأهداف التي تحفّز هذه السياسات. يتم ذلك بحسب العناصر الأساسية لجريمتَيْ الفصل العنصري والاضطهاد، على النحو المبيّن أعلاه. تقيّم هيومن رايتس ووتش ديناميكيات الحكم الإسرائيلي في من هاتين المنطقتين، مع أخذ الأطر القانونية المختلفة السارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل بعين الاعتبار، وهما الكيانان الإقليميان المعترف بهما قانونا، وكل منهما له وضع مختلف بموجب القانون الدولي. بينما يلاحظ التقرير وجود اختلافات كبيرة في الوقائع بين المناطق المختلفة ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، فهو لا يعرض نتائج منفصلة بكل منطقة ضمن هذين الإقليمين.

بناءً على بحثها، خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن الحكومة الإسرائيلية أظهرت نيتها الحفاظ على هيمنة الإسرائيليين اليهود على الفلسطينيين في جميع أنحاء الأراضي التي تسيطر عليها. في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، اقترنت هذه النية بالقمع المنهجي للفلسطينيين والأفعال اللاإنسانية ضدهم. عندما تحدث هذه العناصر الثلاثة معا، فإنها ترقى إلى جريمة الفصل العنصري.

كما ارتكب المسؤولون الإسرائيليون جريمة الاضطهاد، وهي أيضا جريمة ضدّ الإنسانية. تستند هذه النتيجة إلى نية التمييز الكامنة وراء معاملة إسرائيل للفلسطينيين، والانتهاكات الخطيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي شملت المصادرة الواسعة للأراضي بملكيّة خاصة، والمنع الفعلي للبناء أو العيش في العديد من المناطق، والحرمان الجماعي من حقوق الإقامة، والقيود المجحفة المفروضة منذ عقود على حرية التنقل والحقوق المدنية الأساسية. هذه السياسات والممارسات تحرم ملايين الفلسطينيين بشكل متعمد وبشدّة من حقوقهم الأساسية، ومنها الحق في الإقامة، والملكية الخاصة، والوصول إلى الأراضي والخدمات والموارد، وذلك على نطاق واسع وبشكل منهجي بحكم هويتهم كفلسطينيين.

السعي وراء أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من الفلسطينيين

سعت السياسة الإسرائيلية إلى هندسة وتوسيع عدد اليهود والأراضي المتاحة لهم في إسرائيل وأجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تطمع فيها الحكومة الإسرائيلية للاستيطان اليهودي. في الوقت نفسه، تسعى السياسة الإسرائيلية من خلال تقييد حقوق الإقامة للفلسطينيين إلى تقليص عدد الفلسطينيين والأراضي المتاحة لهم في تلك المناطق. مستوى القمع هو أكثر حدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع أنه غالبا ما يمكن العثور على جوانب أقل حدة لسياسات مماثلة داخل إسرائيل.

في الضفة الغربية، صادرت السلطات أكثر من مليونَي دونم من الأراضي من الفلسطينيين، ما يشكل أكثر من ثلث الضفة الغربية، منها عشرات آلاف الدونمات التي تقر بأنها بملكية خاصة تعود إلى فلسطينيين. أحد التكتيكات الشائعة الذي استخدمته هو إعلان الأراضي، ومنها ملكيات خاصة تعود إلى فلسطينيين، كـ "أراضي دولة". قدّرت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية الأراضي التي حددتها الحكومة الإسرائيلية كأراضي دولة بـ 1.4 مليون دونم، أي حوالي ربع الضفة الغربية. وجدت الحركة أيضا أن أكثر من 30% من الأراضي التي استخدمت لصالح المستوطنات اعترفت الحكومة الإسرائيلية بكونها بملكية خاصة للفلسطينيين.

من بين أكثر من 675 ألف دونم من أراضي الدولة التي خصصتها السلطات الإسرائيلية للاستخدام من قبل أطراف ثالثة في الضفة الغربية، تم تخصيص أكثر من 99% منها للاستخدام من قبل مدنيين إسرائيليين، بحسب بيانات الحكومة. الاستيلاء على الأراضي من أجل المستوطنات والبنية التحتية التي تخدم المستوطنين بشكل أساسي، تسبب في تمركز الفلسطينيين في الضفة الغربية في"165 جزيرة تشكّل أقاليم مفصولة ومشلولة"، بحسب "بتسيلم".

جعلت السلطات الإسرائيلية أيضا شبه مستحيل على الفلسطينيين في "المنطقة ج"، التي تشكّل حوالي 60 % من الضفة الغربية والتي وضعتها "اتفاقيات أوسلو" تحت سيطرة إسرائيل، وكذلك الذين يعيشون في القدس الشرقية، الحصول على تصاريح بناء.

على سبيل المثال ، وافقت السلطات في المنطقة ج على أقل من 1.5%من طلبات البناء التي قدمها فلسطينيون ما بين 2016 و2018 – ما مجموعه 21 – وهو عدد أصغر 100 مرة من عدد قرارات الهدم الصادرة في نفس الفترة، بحسب بيانات رسمية. هدمت السلطات الإسرائيلية أيضا الآلاف من ممتلكات الفلسطينيين في هذه المناطق لعدم حصولها على تراخيص، ما تسبب في تهجير آلاف العائلات. في المقابل، وبحسب حركة السلام الآن، بدأت السلطات الإسرائيلية في بناء أكثر من23,696 وحدة سكنية بين 2009 و2020 في المستوطنات الإسرائيلية في المنطقة "ج"، وهو ما ينتهك حظر نقل مواطني سلطة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة بموجب القانون الإنساني الدولي. قيام قوة الاحتلال بنقل السكان المدنيين إلى أراض محتلة ينتهك "اتفاقية جنيف الرابعة".

تنبثق هذه السياسات عن خطط طويلة الأمد للحكومة الإسرائيلية. مثلا، دعت "خطة دروبلس" لسنة 1980، التي وجّهت سياسة الاستيطان الحكومية في الضفة الغربية في ذلك الوقت وارتكزت على خطط سابقة، السلطات إلى "الاستيطان في الأراضي الواقعة بين مراكز الأقليات [العربية] والمناطق المحيطة بها"، مشيرة إلى أن ذلك "سيصعّب على الفلسطينيين خلق امتداد جغرافي ووحدة سياسية" و"سيزيل أي أثر للشك في نيتنا للسيطرة على يهودا والسامرة إلى الأبد".

في القدس، حدّدت خطة الحكومة للبلدية، بما في ذلك غرب المدينة وشرقها المحتل، هدف "الحفاظ على أغلبية يهودية متينة في المدينة"، والعمل على تركيبة ديمغرافية "قوامها 70%يهود و30%عرب" – قبل أن تُعدّل ذلك في وقت لاحق لتصبح النسبة 60:40، بعد أن أقرّت السلطات بأن "هذا الهدف غير قابل للتحقق" في ضوء "الاتجاه الديمغرافي".

نفذت الحكومة الإسرائيلية أيضا عمليات استيلاء تمييزية على أراض داخل إسرائيل، حيث اعتمدت على آليات مختلفة للاستيلاء على 4.5 مليون دونم على الأقل من أراضي الفلسطينيين، بحسب مؤرّخين، وهو ما يتراوح بين 65 و75% من مجموع الأراضي التي كانت بملكيّة الفلسطينيين قبل 1948، وبين 40 و60% من مجموع الأراضي التي كانت بملكيّة الفلسطينيين ممن بقوا هناك بعد 1948، وأصبحوا مواطنين إسرائيليين.

أعلنت السلطات في السنوات الأولى من عمر الدولة أراضي المهجّرين الفلسطينيين "أراضي غائبين" أو "مناطق عسكرية مغلقة"، ثم استولت عليها وحولتها إلى أراضي دولة وشيدت تجمعات يهودية فوقها. تواصل السلطات منع المواطنين الفلسطينيين من الوصول إلى الأراضي التي صودرت منهم.

وجد تقرير أنجز بتكليف من الحكومة عام 2003 أن "أنشطة المصادرة سُخرت بشكل واضح وصريح لصالح الأغلبية اليهودية" وأن أراضي الدولة، التي تشكل 93% من جميع الأراضي في إسرائيل، تخدم فقط "الاستيطان اليهودي". منذ 1948، سمحت الحكومة بإنشاء أكثر من 900 "بلدة يهودية" في إسرائيل، لكنها سمحت فقط لعدد قليل من القرى والبلدات التي خططت لها الحكومة للفلسطينيين، والتي أنشئت إلى حدّ كبير بهدف تركيز التجمعات البدوية المهجرة التي كانت تعيش في النقب.

مصادرة الأراضي وغيرها من سياسات الأراضي التمييزية في إسرائيل تحصل في السلطات المحليّة الفلسطينية داخل إسرائيل، مما يحرمها من فرص التوسع الطبيعي التي تحظى بها البلديات اليهودية.

الغالبية العظمى من المواطنين الفلسطينيين، الذين يشكلون نحو 19% من سكان إسرائيل، تعيش في هذه البلديات، التي لها نفوذ فيها على ما يقدر بأقل من 3% من جميع الأراضي داخل إسرائيل. بينما يستطيع الفلسطينيين داخل إسرائيل التنقل بحرية، ويعيش بعضهم في "مدن مختلطة"، مثل حيفا، وتل أبيب-يافا، وعكا، إلا أن القانون الإسرائيلي يسمح للبلدات باستبعاد السكان المحتملين على أساس عدم توافقهم مع "نسيجها الاجتماعي الثقافي". بحسب دراسة أعدها أستاذ في "التخنيون – معهد إسرائيل التكنولوجي" في حيفا، هناك أكثر من 900 مدينة يهودية صغيرة، بما فيها "كيبوتسات " )تعاونيات زراعية يهودية(، في كل أنحاء إسرائيل يُمكنها تقييد من يمكنه العيش فيها. ليس هناك أي فلسطينيين في هذه المدن.

في النقب في إسرائيل، رفضت السلطات الإسرائيلية الاعتراف قانونيًا بـ 35 بلدة وقرية بدوية فلسطينية، ما يجعل من المستحيل لنحو 90 ألف شخص العيش بطريقة قانونية في التجمعات التي كانوا قد عاشوا فيها منذ عقود. بدلا من ذلك، سعت السلطات إلى تركيز التجمعات البدوية في بلدات وقرى أكبر معترف بها من أجل توسيع الأراضي المتاحة للتجمعات اليهودية، كما هو مبيّن في الخطط الحكومية وتصريحات المسؤولين. يعتبر القانون الإسرائيلي كل المباني في هذه القرى غير المعترف بها غير قانونية، وقد رفضت السلطات ربط معظمها بالشبكات الوطنية للكهرباء أو المياه ، أو حتى توفير البنى التحتية الأساسية، مثل الطرقات المعبّدة أو شبكات الصرف الصحي.

لا تظهر هذه التجمعات السكانية على الخرائط الرسمية، وأغلبها لا توجد فيها منشآت تعليمية، ويعيش سكانها في خوف دائم من هدم منازلهم. هدمت السلطات الإسرائيلية أكثر من عشرة آلاف منزل للبدو في النقب ما بين 2013 و2019، بحسب بيانات حكومية. كما وجرفت أيضا قرية العراقيب غير المعترف بها، والتي طعن أهاليها في مصادرة أراضيهم، 185 مرة.

نفذت السلطات هذه السياسات وفقا لخطط الحكومة منذ السنوات الأولى لقيام الدولة، والتي دعت إلى تقييد التجمعات البدو من أجل ضمان أراض مناسبة لتوطين اليهود. قبل عدة أشهر من توليه منصب رئيس الوزراء في ديسمبر/كانون الأول 2000، أعلن آرييل شارون أن بدو النقب "يقضمون احتياطي أراضي البلاد"، وهو ما وصفه بـ "الظاهرة الديمغرافية" كرئيس وزراء، استمر شارون في متابعة خطّة بمليارات الدولارات سعت بكل وضوح إلى زيادة السكان اليهود في مناطق النقب والجليل في إسرائيل، وهي مناطق ذات عدد كبير من السكان الفلسطينيين. وصف نائبه شمعون بيريس الخطة لاحقا بأنها "معركة من أجل مستقبل الشعب اليهودي".

رغبة شارون في تهويد النقب، وكذلك الجليل، كانت على خلفية قرار الحكومة بسحب المستوطنين اليهود من غزة. بعد إنهاء الاستيطان هناك، بدأت إسرائيل في معاملة غزة بشكل فعلي كولاية إقليمية يُمكن اعتبار سكانها خارج الحسابات الديمغرافية لليهود والفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل والغالبية العظمى للأراضي الفلسطينية المحتلة – الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية – التي تنوي إسرائيل الاحتفاظ بها. أقر المسؤولون الإسرائيليون في ذلك الوقت بالأهداف الديمغرافية لهذه الخطوة. في خضم العمل على إخلاء المستوطنين من غزة، قال شارون في خطاب موجّه إلى الإسرائيليين في أغسطس/آب 2005: "لا يمكننا أن نتشبث بغزة إلى الأبد. أكثر من مليون فلسطيني يعيشون هناك، ويضاعفون أنفسهم كل جيل". في الشهر نفسه، قال بيريز: "نحن ننسحب من غزة بسبب الديموغرافيا".

رغم سحب مستوطنيها وقواتها البرية، ظلّت إسرائيل القوّة العليا في غزة بأساليب مختلفة، حيث هيمنت بوسائل أخرى، وبالتالي تبقى التزاماتها القانونية كقوة احتلال، مثلما خلصت إلى ذلك "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" و"الأمم المتحدة"، من بين جهات أخرى. والأهم من ذلك أن إسرائيل تمنع الفلسطينيين الذين يعيشون هناك )مع استثناءات محدودة فقط( من المغادرة من معبر إيريز الذي تسيطر عليه، وفرضت "سياسة فصل" رسمية بين غزة والضفة الغربية، رغم أن اسرائيل اعترفت في إطار اتفاقيات أوسلو بأن هاتين المنطقتين من الأراضي الفلسطينية المحتلة دة تشكلان "وحدة جغرافية واحدة ".

حظر السفر المعمّم، الذي ظلّ ساريا منذ 2007، وقلّص السفر إلى خارج غزة حتى صار جزءا صغيرا مما كان عليه قبل عقدين من الزمن، لا يستند إلى تقديرات أمنية فردية ولا يستجيب إلى أي اختبار معقول لموازنة المخاوف الأمنية مع الحق في حرية التنقل لأكثر من مليونَيْ شخص.

فرضت السلطات أيضا قيودا مشددة على دخول وخروج البضائع من غزة وإليها، ما تسبب في قطعها فعليا عن العالم الخارجي، لا سيما في ظل إغلاق مصر لحدودها أيضا. هذه القيود ساهمت في الحدّ من الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتدمير الاقتصاد، وجعلت 80% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية. اضطرت العائلات في غزة في السنوات الأخيرة إلى العيش من دون الكهرباء التي تُنتج مركزيا لما يتراوح بين 12 و20 ساعة يوميا، بحسب الفترة. المياه أيضا نادرة للغاية. تعتبر الأمم المتحدة أن 96% من إمدادات المياه في غزة "غير صالحة للاستهلاك البشري".

داخل الضفة الغربية أيضا، تمنع السلطات الإسرائيلية حاملي بطاقات الهوية الفلسطينية من الدخول إلى مناطق مثل القدس الشرقية، والأراضي خلف جدار الفصل، والمناطق الخاضعة لسيطرة المستوطنات والجيش، ما لم يحصلوا على تصاريح صعبة المنال. كما وضعت السلطات تقريبا 600 حاجز دائم، الكثير منها بين التجمعات الفلسطينية، والتي تتسبب في تعطيل الحياة اليومية للفلسطينيين. في تناقض حاد مع ذلك، تسمح السلطات للمستوطنين اليهود بالحركة بشكل حر ضمن الجزء الأكبر من الضفة الخاضع لسيطرتها الحصرية، وكذلك من وإلى إسرائيل، على طرقات تم تشييدها لتسهيل تنقلهم وادماجهم في كل جوانب الحياة في إسرائيل.

الاعتبارات الديمغرافية لها دور مركزي في سياسة الفصل التي تعتمدها إسرائيل بين الضفة الغربية وغزة.

على وجه الخصوص، في الحالات النادرة التي تسمح فيها بالتنقل بين جزأي الأراضي المحتلة، تسمح السلطات غالبا بالتنقل في اتجاه غزة، وبالتالي تُسهل تدفق السكان بعيدا عن المنطقة التي تروّج فيها بنشاط للاستيطان اليهودي. تنص السياسات الرسمية للجيش الإسرائيلي على أن سكان الضفة الغربية يستطيعون التقدم بطلب لـ "إعادة التوطين الدائم في قطاع غزة لأي سبب يُعتبر إنساني (عادة لم شمل العائلة )"، لكن سكان غزة لا يستطيعون الاستقرار في الضفة الغربية إلا "في الحالات النادرة جدا"، المرتبطة عادة بلم شمل العائلة. في هذه الحالات، تكون السلطات مكلفة بالعمل على إعادة توطين الزوجين في غزة عند الموافقة على لم شمل العائلة . تبرز البيانات الرسمية أن إسرائيل لم توافق على إعادة توطين أي شخص من سكان غزة في الضفة الغربية، باستثناء عدد محدود من الأشخاص الذين قدموا التماسات للمحكمة العليا بين 2009 ومارس/آذار 2017، بينما سمحت للعشرات من سكان الضفة الغربية بالانتقال إلى غزة بشرط التوقيع على تعهد بعدم العودة إلى الضفة.

إلى جانب سياسة الإغلاق، لطالما استخدمت السلطات الإسرائيلية وسائل قمعية وعشوائية أثناء الأعمال العدائية والاحتجاجات في غزة. منذ 2008، شنّ الجيش الإسرائيلي ثلاث هجمات عسكرية واسعة النطاق على غزة في سياق الأعمال العدائية مع الجماعات الفلسطينية المسلحة.

كما يظهر في التقرير، هذه الهجمات شملت على ما يبدو غارات متعمدة على المدنيين والبنى التحتية المدنية، وقتلت أكثر من ألفي مدني. بالإضافة إلى ذلك، أطلقت القوات الإسرائيلية بانتظام النار على المتظاهرين الفلسطينيين وغيرهم ممن يقتربون من السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل في أوضاع لم يكونوا يشكلون فيها تهديدا وشيكا للحياة، ما أسفر عن مقتل 214 متظاهرا في 2018 و2019 فقط، مع إصابة آلاف آخرين. تنبع هذه الممارسات من نمط استمر لعقود من الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة لقمع الاحتجاجات والاضطرابات، فكانت له تكلفة مدنية باهظة. رغم تكرار مثل هذه الحوادث على مرّ السنين، لم تعتمد إسرائيل تكتيكات إنفاذ قانون متوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

قيود تمييزية على الإقامة والجنسية

يواجه الفلسطينيون قيودا تمييزية على حقوقهم في الإقامة والجنسية بدرجات متفاوتة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل. ا

ستغلّت السلطات سيطرتها على سجلّ السكان في الضفة الغربية وغزّة، أي قائمة الفلسطينيين الذين تعتبرهم سكانا شرعيين لأسباب تتعلق بإصدار وثائق تثبت المكانة القانونية وبطاقات الهوية، لتحرم مئات آلاف الفلسطينيين من الإقامة. رفضت السلطات الإسرائيلية تسجيل ما لا يقل عن 270 ألف فلسطيني كانوا خارج الضفة الغربية وغزة في بداية الاحتلال عام 1967، وألغت إقامة حوالي 250 ألف آخرين لكونهم كانوا في الخارج لفترة مطولة بين 1967 و1994. منذ سنة 2000، ترفض السلطات الإسرائيلية إلى حدّ كبير دراسة طلبات لمّ الشمل أو تغيير العنوان التي يقدمها الفلسطينيون في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

هذا التجميد يمنع الفلسطينيين فعليا من الحصول على وضع قانوني لأزواجهم أو أقاربهم غير المسجلين. بحسب الجيش الإسرائيلي، فإن تواجد الآلاف من سكان غزة ممن جاؤوا بتصاريح مؤقتة إلى الضفة الغربية، وصاروا يعيشون فيها، غير قانوني، لأنهم لا يستطيعون نقل عناوينهم إليها. تؤدي هذه القيود إلى الحد من عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.

تمنع السلطات بشكل منتظم الفلسطينيين غير المسجلين وأزواجهم غير المسجلين وأفراد عائلاتهم الآخرين من الدخول الى الضفة الغربية وهم ممن كانوا يعيشون هناك لكنهم غادروها بشكل مؤقت (للدراسة أو العمل أو الزواج أو لأسباب أخرى).

عندما ضمّت إسرائيل القدس الشرقية عام 1967، طبقت "قانون الدخول" لعام 1952 على الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون هناك وصنفتهم كـ "مقيمين دائمين"، وهو نفس الوضع الذي يُمنح لأي أجنبي غير يهودي ينتقل إلى إسرائيل. أسقطت وزارة الداخلية هذا الوضع عن 14,701 فلسطيني على الأقل منذ 1967، لأن أغلبهم لم يتمكنوا من إثبات "مركز حياة" في المدينة. يوجد مسار للحصول على المواطنة الإسرائيلية، لكن عددا قليلا من الناس يتقدّمون عليه، وأغلب من فعلوا ذلك في السنوات الأخيرة لم يُمنحوا المواطنة. على النقيض من ذلك، يُعتبر يهود القدس، بما في ذلك المستوطنون في القدس الشرقية، مواطنين لا يتعيّن عليهم إثبات صلاتهم بالمدينة ليحافظوا على وضعهم.

داخل إسرائيل، يؤكد "إعلان استقلال إسرائيل" على "المساواة التامة" بين جميع السكان، لكن نظام المواطنة القائم على مسارين ينتهك هذا التعهد، وينظر فعليا إلى اليهود والفلسطينيين على أنهم منفصلون لكن غير متساوين. يحتوي "قانون المواطنة الإسرائيلي" لسنة 1952 مسارا منفصلا مخصصا لليهودي بشكل حصري، ويمنحهم الجنسية بشكل تلقائي، وهو منبثق عن "قانون العودة" لعام 1950. يضمن ذلك القانون لليهود الذين يحملون جنسيات أخرى حق الاستقرار في إسرائيل.

في المقابل، فإن المسار الخاص بالفلسطينيين يربط الحصول على المواطنة بإثبات الإقامة قبل 1948 في المنطقة التي أصبحت فيما بعد ضمن إسرائيل، ووجود اسم الشخص في سجل السكان حتى العام 1952، وحضوره الدائم في إسرائيل أو دخولها بشكل قانوني في الفترة بين 1948 و1952. استخدمت السلطات هذه الصيغة لحرمان أكثر من 700 ألف فلسطيني ممن فرّوا أو طردوا سنة 1948 وأحفادهم من الإقامة، واليوم صار عدد هؤلاء يتجاوز 5.7 مليون نسمة. هذا القانون خلق واقعا يستطيع فيه اليهودي الحامل لأي جنسية أخرى، والذي لم يدخل إسرائيل يوما، من الانتقال إليها والحصول على جنسيتها، بينما يُمنع من ذلك الفلسطيني الذي طرد من منزله وبقي أكثر من 70 عاما في مخيم للاجئين في بلد مجاور.

قانون المواطنة لسنة 1952 يسمح أيضا بمنح الجنسية على أساس التجنّس. لكن في 2003 أقرّ الكنيست "قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (أمر الساعة)" الذي منع منح الجنسية الإسرائيلية والمكانة القانونية طويل الأمد لفلسطينيي الضفة الغربية وغزة المتزوجين من مواطنين إسرائيليين أو مقيمين في إسرائيل. مع استثناءات قليلة، هذا القانون، الذي يُجدَّد كل عام منذئذ وأيدته المحكمة العليا الإسرائيلية، يحرم المواطنين اليهود والمواطنين الفلسطينيين والمقيمين في إسرائيل الذين يختارون الزواج من فلسطينيين من الحق في العيش مع شريكهم في إسرائيل. الملفت أن هذا القيد المستند فقط إلى هوية الزوج/الزوجة كفلسطيني/ة من الضفة الغربية أو غزة لا ينطبق عندما يتزوج الإسرائيليون من غير اليهود من معظم الجنسيات الأجنبية الأخرى. يمكنهم الحصول على وضع فوري وتقديم طلب للحصول على الجنسية بعد عدة سنوات.

تعليقا على تجديد القانون في 2005، قال رئيس الوزراء آنذاك آرييل شارون: "لا داعي للاختباء وراء الحجج الأمنية. هناك حاجة لوجود دولة يهودية". قال بنيامين نتنياهو، الذي كان حينها وزير المالية، خلال مناقشات في ذلك الوقت: "بدلا من تسهيل الأمر على الفلسطينيين الراغبين في الحصول على المواطنة، يجب أن نجعل العملية أكثر صعوبة حتى نضمن أمن إسرائيل والأغلبية اليهودية فيها". في مارس/آذار 2019، هذه المرة بصفته رئيسا للوزراء، أعلن نتنياهو: "إسرائيل ليست دولة لجميع مواطنيها"، بل هي "الدولة القومية للشعب اليهودي... للشعب اليهودي وحده".

يعطي القانون الدولي لحقوق الإنسان مجالا واسعا للحكومات في وضع سياسات الهجرة الخاصة بها. لا يوجد في القانون الدولي ما يمنع إسرائيل من تشجيع الهجرة اليهودية. يحق لليهود الإسرائيليين، الذين هاجر العديد منهم تاريخيا إلى فلسطين في زمن الانتداب أو لاحقا إلى إسرائيل هربا من الاضطهاد المعادي للسامية في أجزاء مختلفة من العالم، حماية سلامتهم وحقوقهم الأساسية. ومع ذلك، فإن هذا الهامش من الحرية لا يمنح الدولة حق التمييز ضد الأشخاص الذين يعيشون أصلا في ذلك البلد، بما في ذلك فيما يتعلق بحقوق لم شمل العائلة، وضد الأشخاص الذين لديهم الحق في العودة إلى البلاد. كما يحق للفلسطينيين حماية سلامتهم وحقوقهم الأساسية.

المبررات الإسرائيلية للسياسات والممارسات

تبرّر السلطات الإسرائيلية العديد من السياسات الموثّقة في هذا التقرير على أنها ردّ على العنف الفلسطيني ضدّ إسرائيل. غير أن العديد من هذه السياسات، مثل رفض تصاريح البناء في المنطقة ج والقدس الشرقية والنقب، وإسقاط الإقامة عن المقدسيين، ومصادرة الأراضي ذات الملكية الخاصة، وتوزيع أراضي الدولة بشكل تمييزي، ليس لها أي مبررات أمنية مشروعة. أما السياسات الأخرى، مثل قانون المواطنة ودخول إسرائيل وتجميد سجل سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، فتستخدم الأمن كذريعة لتحقيق أهداف ديمغرافية.

تواجه السلطات الإسرائيلية تحديات أمنية مشروعة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. غير أن القيود التي لا ترمي إلى تحقيق توازن بين حقوق الإنسان، مثل حرية التنقل، والمخاوف الأمنية المشروعة، مثل إجراء تقييمات أمنية فرديّة وليس منع جميع سكان غزة من المغادرة باستثناء قلة نادرة، تتجاوز بكثير ما يسمح به القانون الدولي. حتى عندما يكون الأمن جزءا من الدافع إلى اعتماد سياسة معينة، فإن ذلك لا يمنح إسرائيل تفويضا مطلقا لانتهاك الحقوق بشكل جماعي. قد تكون المخاوف الأمنية المشروعة حاضرة في السياسات التي ترقى إلى الفصل العنصري، تماما كما قد تكون حاضرة في السياسات التي تعاقب استخدام القوة المفرطة أو التعذيب.

يزعم المسؤولون أحيانا أن الاجراءات المتخذة في الأراضي الفلسطينية المحتلة مؤقتة ويُمكن إلغاؤها في سياق اتفاقية سلام. بدءا من رئيس الوزراء ليفي إشكول عن "حزب العمال"، الذي قال في يوليو/تموز 1967: "لا أرى سوى منطقة شبه مستقلة [للفلسطينيين] لأن الأمن والأرض بيد الإسرائيليين"، ووصولا إلى نتنياهو عن "حزب الليكود"، الذي قال في يوليو/تموز 2019: "ستستمر القوات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في السيطرة على المنطقة بأكملها، حتى نهر الأردن"، أكد عدد من المسؤولين بوضوح نيتهم الاحتفاظ بسيطرة قوية ودائمة على الضفة الغربية، بغض النظر عن الاتفاقيات المعتمدة لحكم الفلسطينيين. أفعال هؤلاء وسياساتهم تبدّد فكرة أن السلطات الإسرائيلية تعتبر الاحتلال مؤقتا، بما في ذلك الاستمرار في مصادرة الأراضي، وبناء جدار الفصل بطريقة تأخذ في الاعتبار نموّ المستوطنات، والدمج السلس لنظام الصرف الصحي ، وشبكات الاتصالات والكهرباء والماء والبنى التحتية، والطرق في المستوطنات ضمن إسرائيل، بالإضافة إلى مجموعة متزايدة من القوانين التي تنطبق على المستوطنين الإسرائيليين دون الفلسطينيين في الضفة الغربية. احتمال الوصول إلى اتفاق بين زعيم إسرائيلي مستقبلي والفلسطينيين لتفكيك هذا النظام التمييزي ووضع حدّ للقمع المنهجي لن يلغي نية المسؤولين الحاليين في الحفاظ على النظام الحالي، ولا الواقع الحالي القائم على الفصل العنصري والاضطهاد.

التوصيات

على الحكومة الإسرائيلية تفكيك جميع أشكال القمع والهيمنة المنهجية التي تمنح امتيازات لليهود الإسرائيليين وتقمع الفلسطينيين بشكل منهجي، ووضع حد لاضطهاد الفلسطينيين. ويتعين على السلطات تحديدا وضع حدّ للسياسات والممارسات التمييزية بخصوص حقوق المواطنة والإقامة، والحقوق المدنية، وحرية التنقل، وتوزيع الأراضي والموارد، والحصول على الماء والكهرباء والخدمات الأخرى، ومنح تصاريح البناء.

النتائج التي تبين ارتكاب جريمتَيْ الفصل العنصري والاضطهاد لا تُلغي حقيقة الاحتلال الإسرائيلي ولا التزامات إسرائيل بموجب قانون الاحتلال، وهو ما لن تفعله أيضا أي نتائج أخرى تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب. بالتالي، يتعين على السلطات الإسرائيلية الكف عن بناء المستوطنات، وتفكيك المستوطنات القائمة، وأن تحترم حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة بشكل كامل، باستخدام الحقوق التي تمنحها للمواطنين الإسرائيليين كمعيار، فضلا عن إجراءات الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي لحقوق الإنسان.

على السلطة الفلسطينية وقف أشكال التنسيق الأمني مع الجيش الإسرائيلي التي تساهم في تسهيل ارتكاب جريمتَي الفصل العنصري والاضطهاد المرتكبتين ضد الإنسانية.

النتيجة المتعلقة بحصول جرائم ضدّ الإنسانية يجب أن تدفع المجتمع الدولي إلى إعادة تقييم نهجه تجاه إسرائيل وفلسطين. الولايات المتحدة، التي تقاعست لعقود طويلة عن الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتكف عن قمعها المنهجي للفلسطينيين، أشارت في بعض الحالات في السنوات الأخيرة إلى دعمها لانتهاكات خطيرة، مثل بناء المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. أقامت العديد من الدول الأوروبية والدول الأخرى علاقات وثيقة مع إسرائيل وفي نفس الوقت دعمت "عملية السلام"، وبنت قدرات السلطة الفلسطينية، ونأت بنفسها وأحيانا انتقدت ممارسات مسيئة محددة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا النهج، الذي يتجاهل الطبيعة الراسخة للتمييز والقمع الإسرائيليين في حق الفلسطينيين، يقلّل من شأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالتعامل معها كأعراض مؤقتة للاحتلال ستعالجها "عملية السلام" قريبا. هذا النهج مكّن أيضا الدول من مقاومة نوع المساءلة الذي يتطلبه وضع بهذه الخطورة، مما يسمح بتفشي الفصل العنصري وترسّخه. بعد 54 عاما، يتعين على الدول التوقف عن تقييم الوضع من منطلق ما يُمكن أن يحدث إذا تمّ إحياء عملية السلام المتعثرة، والتركيز بدلا من ذلك على الواقع القائم منذ أمد طويل ، والذي لا يُظهر أي علامات تراجع.

يُمكن استخدام الجرائم ضدّ الإنسانية كأساس للمسؤولية الجنائية الفردية في المحافل الدولية، وكذلك في المحاكم المحلية خارج إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية.

في ضوء تقاعس السلطات الإسرائيلية طوال عقود عن ردع الانتهاكات الجسيمة، يجب على مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية التحقيق مع الأفراد المتورطين بشكل موثوق في الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الفصل العنصري أو الاضطهاد ومقاضاتهم. للمحكمة اختصاص في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد فتحت المدعية العام تحقيقا فيها. بالإضافة إلى ذلك، على جميع الحكومات التحقيق مع الضالعين بشكل موثوق في هذه الجرائم ومقاضاتهم، بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية ووفقا للقوانين الوطنية.

وفيما هو أبعد من العنصر الجرمي، تدعو هيومن رايتس ووتش الدول إلى إنشاء لجنة دولية لتقصي الحقائق عبر "الجمعية العامة للأمم المتحدة" للتحقيق في التمييز والقمع المنهجيين على أساس الهوية الجماعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل. ينبغي أن تكون للجنة صلاحية تحديد الوقائع وتحليلها، وتحديد المتورطين في الجرائم الخطيرة، بما يشمل جريمتي الفصل العنصري والاضطهاد، بهدف ضمان محاسبة الجناة، وكذلك جمع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات وحفظها للاستخدام مستقبلا من قبل مؤسسات قضائية ذات مصداقية.

يتعين على الدول أن تنشئ أيضا من خلال الأمم المتحدة منصب مبعوث الأمم المتحدة المعني بجريمتي الفصل العنصري والاضطهاد ومهمته تعبئة العمل الدولي للقضاء على الاضطهاد والفصل العنصري في كل أنحاء العالم.

يتعين على الدول إصدار بيانات تُعرٍب فيها عن قلقها من ممارسة إسرائيل للفصل العنصري والاضطهاد. عليها أيضا فحص الاتفاقات وخطط التعاون وجميع أشكال التجارة والمعاملات مع إسرائيل لتحديد المساهمين بشكل مباشر في ارتكاب جريمتي الفصل العنصري والاضطهاد ضدّ الفلسطينيين، والتخفيف من آثارهما على حقوق الإنسان، وإذا كان ذلك مستحيلا وقف أنشطة التمويل التي يثبت أنها تسهل هذه الجرائم الخطيرة.

الآثار المترتبة على نتائج هذا التقرير بالنسبة للشركات معقدة وتتجاوز نطاق هذا التقرير. في الحد الأدنى، على الشركات وقف الأنشطة التي تساهم مباشرة في ارتكاب جريمتَي الفصل العنصري والاضطهاد. على الشركات تقييم ما إذا كانت سلعها أو خدماتها تساهم في ارتكاب جرائم الفصل العنصري والاضطهاد، مثل المعدات المستخدمة في الهدم غير القانوني لمنازل الفلسطينيين، والتوقف عن تقديم السلع والخدمات التي من المرجح أن تُستخدم لهذه الأغراض، بما يتوافق مع مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.

على الدول فرض عقوبات فردية، تشمل حظر السفر وتجميد الأصول، ضدّ المسؤولين والأفراد المتورطين في استمرار ارتكاب هذه الجرائم الخطيرة، وفرض شروط على المساعدات الأمنية والعسكرية لإسرائيل بربطها بأن تأخذ السلطات خطوات ملموسة ويمكن التحقق منها باتجاه إنهاء ارتكابها جريمتَيْ الفصل العنصري والاضطهاد.

لطالما تغاضى المجتمع الدولي أو وجد تبريرات للحقيقة التي باتت واضحة أكثر فأكثر على أرض الواقع.

كل يوم يولد أشخاص في غزة في سجن بسقف مفتوح، وفي الضفة الغربية بلا حقوق مدنية، وفي إسرائيل بمكانة أدنى بموجب القانون، وفي بلدان الجوار بوضع لاجئ مدى الحياة، مثل أهاليهم وأجدادهم من قبل، فقط لأنهم فلسطينيون وليسوا يهودا. الوصول إلى مستقبل متجذر في الحرية والمساواة والكرامة لجميع الناس الذين يعيشون في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة سيبقى أمرا بعيد المنال في ظل استمرار ممارسات إسرائيل المسيئة ضدّ الفلسطينيين.

كلمات دلالية

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]