اللغة هي أساس التواصل بين الأفراد. مع ذلك، ما زال معظم اليهود والعرب في دولة إسرائيل لا يتكلم أحدهم لغة الآخر. يسبّب جهل اللغة صعوبات لدى الكثيرين في سوق العمل، ويضر بالتواصل الأساسي الضروري بين هاتين الفئتين السكانيتين الكبيرتين. بسبب هذه التحديات بشكل خاص، قررت منظمة جوينت تيبيت أن تدفع قُدُما مبادرات لتعليم اللغة العبرية للعرب والعربية لليهود. "اللغة هي جسر للثقافة. يتيح حيز العمل لقاء بين الثقافات وحياة مشتركة" توضح سوزان حسن، رئيسة مجال التخطيط الاستراتيجي ونائبة المدير العام لجوينت تيبيت: "بهدف تحقيق ذلك بشكل مثالي، من المهم بناء جسر بين الشعبين".

يمكن أن تُحدث معرفة العرب للغة العبرية في سوق العمل تغييرا هاما في حياتهم. "يشكل هذا نقطة تحوّل لديهم. فكلما عرف الفرد اللغة، يمكنه الانخراط بشكل أفضل في سوق العمل، ما يتيح له كسب أجر أفضل. التأثير والحاجة كبيرتان"، توضح حسن مُضيفةً: "ترتكز العلاقة بين التشغيل ومعرفة اللغة العبرية إلى بيانات وأبحاث. ويشكل هذا شرطا للمجتمع العربي لدخول سوق العمل بشكل عام، وسوق العمل ذي الجودة بشكل خاص".

بناء على هذه الأهمية، تدير منظمة جوينت مبادرة لرفع الوعي حول مهارات اللغة العبرية لدى طالبي العمل العرب. "كل مَن يبحث عن عمل في المجتمع العربي يمكنه أن يستفيد من دورات نوعية تعزز لغته العبرية"، توضح حسن. "يتضمن البرنامج محتويات مهنية ومواد تعليمية ملائمة بالعبرية ومتعلقة بالتشغيل للبالغين، وهي معدّة للشبان العرب في الدولة، الذين يعرفون اللغة العبرية إلى حد ما، ولكنّ عليهم تعزيز هذه اللغة المتعلقة بمجال العمل ليتمكنوا من الانخراط في العمل. كما يتضمن البرنامج تأهيل مهنيين ومعلمين، لكي يعرفوا كيف يُدرِّسون اللغة العبرية". ومؤخرا، أصبحت الدورات رقمية، وبالتالي متاحة أكثر. "الهدف هو أن تكون المحتويات متاحة أمام أكبر عدد من الأفراد بسهولة. ويوجب الذكر بان البرنامج قطري ومجاني".

 دولة إسرائيل أنشأت فصلًا بين اللغتين العربية والعبرية

هناك أسباب كثيرة لعدم قدرة عرب كثيرين على تحدث العبرية. "لا يزال هناك حتى الآن أشخاص يتعاملون مع العبرية بصفتها لغة العدو، ما أدّى إلى خلق حاجز نفسي لديهم منها. كما أن هناك أشخاصا كثيرين لم يتعلموا دروس اللغة العبرية بشكل كافٍ أثناء دراستهم في المدارس. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الثقافة التي ينكشف لها العرب هي في الغالب ثقافة العالم العربي وباللغة العربية، ما يجعل العبرية هامشية بالنسبة لهم"، يوضح محمد دراوشة، مديرالاستراتيجيات في مركز جفعات حبيبه. ويضيف: "تخلق سياسة الفصل التربوي في إسرائيل ثقافتين لا تندمجان معا إلى حد كافٍ، وكل ثقافة تعيش بمفردها - جسديّا ولغويّا على السواء. وفقط مَن ينضم إلى التعليم الأكاديمي يتعرف بشكل كبير إلى اللغة العبرية".

عندما لا يتقن الموظف العربي اللغة العبرية، يواجه صعوبات كثيرة في سوق العمل. "الصعوبة الأولى هي الشعور بالغربة، الذي قد يخلق تباعدا وانعزالا في الحديث أثناء تناول القهوة بين الموظفين، وكذلك صعوبة في الاندماج الاجتماعي. المشكلة الثانية هي نقص التواصل الصحيح مع المسؤولين، ما يؤثر في القدرة على الأداء"، يوضح دراوشة. "يشكل هذا تحديدا حاجزا بذاته للدخول إلى أماكن العمل التي يُتوقع فيها من المرشح للعمل في المقابلة أن يعبر عن نفسه جيدا خلالها. ومَن لا يُتقن اللغة العبرية جيدا يصعب عليه التعبير عن نفسه في المقابلة وإقناع الآخرين بقدراته. إضافة إلى ذلك، يتواصل الأشخاص بشكل افضل مع من يتحدث مثلهم وبلغتهم، لذا يحدث تمييز تجاه من لا يُتقن اللغة ذاتها".

يولي دراوشة أهمية كبيرة للعمل على الأمد الطويل. "من المهم العمل على تحسين اللغة العبرية لدى المواطنين العرب في سن مبكرة جدا. فيجب أن يزور الشبان العرب البلدات اليهودية لكي يدركوا الحاجة إلى تعلم اللغة العبرية، أهمية استعمالها، والفرصة التي تتيحها أمامهم. إن دمج معلمين يهود في المدارس العربية لكي يدرّسوا العبرية المحكية يمكن أن يؤثر تأثيرا هائلا في الشبّان العرب. يشكل المعلم سفيرا ثقافيا، لا مُعلِّمًا للقواعد فحسب".

نظرًا إلى الحاجة المتزايدة، فإن المبادرات في المجال آخذة بالتقدم. مثلا، مشروع Blend.Ar هو مبادرة انبثقت عن برنامج التسريع الخاص بجوينت وصناديق التأمين الوطني، وتهدف إلى إقامة علاقة بين الفئات السكانية عبر تدريس اللغة العربية. "نؤمن أنه لا يمكن تعلم لغة دون فهم ثقافتها. فتعلُّم اللغة هو عملية طويلة وضرورية، وعندما لا يمكن التدرب عليها مع الآخرين، ليست هناك أية طريقة لإتقانها"، يوضح حين كوبرمان، مؤسس جمعية بلندر لدعم التكتل الاجتماعي ومديرها العامّ. "يتضمن برنامجنا فائدة مضاعفة: فمن جهة، مَن يتعلم لدينا يحصل على دورة نوعية تتضمن أيضا التدرب ضمن مجموعات صغيرة. ومن جهة أخرى، يحظى المتدربون العرب بشبكة علاقات هامة مع طلابنا، الذين ينتمون غالبا إلى مؤسسات قوية، وهكذا يمكنهم مساعدة الطلاب العرب على الانخراط في سوق العمل الإسرائيلي".
ينشط المشروع منذ سنة تقريبا، وقد تعلم حتى الآن أكثر من 500 طالب في إطاره. "تلاميذنا متنوعون جدًّا. فنحن نُعلِّم عمّالًا من كبرى شركات الهايتك في الاقتصاد الإسرائيلي، وكذلك من جمعيات كبيرة ومنظمات اجتماعية وسياسية إسرائيلية مختلفة"، يقول كوبرمان مُؤكِّدًا: "ما نقوم به من ناحية فعلية ليس تدريس العربية فقط، بل نعمل على الربط بين أبناء الشعبين عبر تعلم اللغة".

 يجدر باليهود أيضًا أن يدرسوا العربيّة

لا يوصى العرب فقط بتعلم العبرية، بل العكس أيضًا. فمن المهم جدا أن يتعلم اليهود العربية. "ليس هناك الكثير من الحديث عن هذا الموضوع في المجتمع اليهودي، ولكنّ الوعي له يزداد شيئًا فشيئًا"، تقول حسن. وتضيف: "عندما يعرف الطرف الآخر اللغة العربية، يتيح ذلك للموظفين العرب أن يدخلوا حيزا تشغيليا ذات جودة. فمن المهم أن يعرف المشغلون، الاختصاصيون، ومُوظَّفو قسم الموارد البشرية اللغة العربية. اللغة هي ثقافة، ويتيح إتقانُها معرفة جوانب إضافية في المجتمع العربي. وهكذا يكون من الأسهل تجنيد الموظفين، استيعابهم، وإدارتهم في الحياة اليومية. فمعرفة اللغة تنتج تأثيرا إيجابيا، يوضح أن المشغّل والموظفين في الجانب الآخر يتعلمون أيضًا لغة الأقلية. ويشكل هذا حيّزا تشغيليا أكثر راحة ومتعة".

الوضع المثالي هو أن يتخذ كلا الجانبين خطوات لتعلُّم لغة الآخر وثقافته. "إلقاء بعض كلمات الترحيب في بداية المقابلة، أو القدرة على طرح الأسئلة بالعربية، يمنحان الباحثين عن العمل شعورا بأنهم مُرحَّب بهم، وأنهم يلقَون انفتاحا واستعدادا للتقبل من قبل مجري المقابلة. يكون التفاعل بين طرفَي المقابلة إنسانيا ووديا أكثر، ويتيح تحقيق القدرات التشغيلية"، يقول دراوشة مضيفا: "عندما يتحدث مجري المقابلة أو الموظف باللغة العربية، يكون أكثر انفتاحا لاحتواء المرشح العربي، ويشعر بأنه قادر على إدارة محادثة متعددة الثقافات معه، من شأنها أن تحقق القدرات الكامنة في اللقاء".

تتصدر هذه الحقيقة مكانا مركزيا في قرار منظمة جوينت لدفع مبادرات تعليم اللغة العربية للاختصاصيين في مجال الموارد البشرية والموظفين في قطاع الأعمال في المجتمع اليهودي. "وُلِدت هذه المبادرة في أعقاب الصراعات والأحداث الأخيرة، التي طُرح فيها الحوار حول أهمية الحياة المشتركة. قلنا لأنفسنا: "بدل أن نتحدث عن الحياة المشتركة، لنبادر إلى إقامة أعمال تدفع الحياة المشتركة قدما، والمجال التشغيلي هو حيز يتيح فعل ذلك"، توضح حسن. "الاعتقاد هو أنه عندما يعمل الاختصاصيون على معرفة لغة الآخر، يشكل هذا جسرا للوصول إلى ثقافة الآخر".

يوجز دراوشة أن الحاجة إلى تعلم اللغة آخذة في الازدياد. "نرى أن قدرة المجتمع العربي على خلق أماكن عمل هي محدودة، ويتعين على أكثر من نصف الأشخاص من البلدات العربية أن يسافروا صباح كل يوم للعمل في المجتمع اليهودي"، يوضح. "صحيح أن على أبناء المجتمع العربي أن يتزودوا بالمهارات الصحيحة الضرورية للمجتمع اليهودي، ولكن يتعين على أماكن العمل أيضا أن تكون قادرة على احتواء أشخاص ذوي لغة وثقافة مختلفتَين. يضمن تأهيل الهيئة اليهودية التي تستوعب الموظفين العرب النجاح في الربط بين أبناء كلا المُجتَمعَين". توجز حسن: "تدريس العربية لليهود والعبرية للعرب هو خطوة إضافية تتيح التعارف والتواصل بين كلا الشعبين".

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]