لم يعد موسم الزيتون كما اعتاد الفلسطينيون موسمًا اقتصاديًا وتراثيًا أساسيًا في حياتهم، فاعتداءات المستوطنين المتزايدة عامًا بعد آخر حولته إلى موسم للعناء والخوف والحسرة.
فمن سرقة الثمار قبل أو بعد قطفها، وقطع الأشجار واقتلاعها وحرقها وتسميمها، وإغراق الأرض بالمياه العادمة، إلى مهاجمة العائلات أثناء القطاف، كلها جعلت من موسم الزيتون ميدانًا آخر للمواجهة مع المستوطنين والاحتلال.
وعلى أحر من الجمر انتظر المزارع شاهر عازم موسم الزيتون ليتمكن من الوصول إلى أرضه التي حرمه الاحتلال منها طوال السنة، وعلى أمل أن يقطف ثمار زيتونها.
وتجهز عازم وعائلته جيدا ليوم الإثنين الذي حدده لهم الاحتلال لقطف ثمار زيتونهم في بلدة قريوت جنوبي نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، فهي ساعات محدودة عليهم أن يستغلوها لقطف أكبر قدر من الثمار.
ويقول عازم لوكالة "صفا": "بمجرد أن وصلنا إلى أرضنا صعقنا برؤية الأشجار خالية من أي ثمار، فقد سبقنا إليها المستوطنون وسرقوا ثمارها".
وإمعانا في الاستفزاز، جاء إليه مستوطن يدعى "كورن" ليخبره بأنه هو من سرق محصول أرضه.
وعمد المستوطنون أيضًا لغرس قضبان حديدية مدببة الرأس في تلك الأراضي لإعطاب عجلات المركبات والجرارات الزراعية.
ومنذ سنوات وهذا المستوطن يمارس اعتداءاته بشكل مستمر على المزارعين وأراضيهم بشتى الوسائل وبحماية قوات الاحتلال، تارة بقطع الأشجار، وتارة بحرقها، وتارة ثالثة بسرقة محصولها، سعيا للسيطرة على المنطقة بأكملها.
ويضيف عازم: "قدمت أكثر من شكوى ضده لشرطة الاحتلال، ومع ذلك فهو مستمر باعتداءاته بوجود الشرطة وقوات الاحتلال والارتباط".
قرى على خط النار
وتعتبر بلدة بورين وقرى مادما وعصيرة القبلية وعوريف وعينابوس جنوبي نابلس من أكثر المناطق سخونة في موسم الزيتون، بحكم وجود مستوطنة "يتسهار" على أراضيها، وهي المستوطنة التي تؤوي غلاة المستوطنين وأشدهم تطرفًا وإجرامًا.
وفي الأشهر الماضية، نفذ مستوطنو "يتسهار" اعتداءين على أشجار الزيتون بالمنطقة الجنوبية في بورين، تم فيهما إحراق آلاف الأشجار.
وابتدع المستوطنون أسلوبًا جديدًا أشد فتكًا في إحراق الأشجار من خلال وضع إطار كاوتشوك حول جذع الشجرة ورشّه بمواد نفطية قبل إحراقه لضمان حرق الجذع بالكامل وعدم إنباته مجددًا.
ويُعبّر المواطن نمر عيسى عن حسرته على آلاف الأشجار التي فقدتها بورين وتحولت مئات الدونمات إلى أراضٍ قاحلة بفعل اعتداءات المستوطنين التي لا تتوقف طوال العام، لكنها تشتد في هذا الموسم.
ويقول لوكالة "صفا": "نعاني بشدة من المستوطنين واعتداءاتهم التي أثرت على اقتصاد بورين الذي يعتمد بشكل أساسي على الزيتون".
ويضيف "تحترق قلوبنا عندما نرى زيتونة رومية عمرها مئات السنين محترقة ومتفحمة".
وقبل أيام توجه عيسى وعائلته وغيرهم من أصحاب الأراضي بالمنطقة الجنوبية في بورين لقطف ثمار الزيتون، فهاجمهم عشرات المستوطنين محاولين منعهم من القطف.
ويقول عيسى: "هاجمنا أكثر من 35 مستوطنًا بالحجارة وحاولوا سرقة محاصيل الزيتون بعد قطفها، ولولا أن عددنا كبير ونجحنا بالتصدي لهم لوقعت بيننا خسائر بالأرواح".
خطر حقيقي
ويشير إلى أن هذه الاعتداءات حوّلت موسم الزيتون إلى موسم خطر حقيقي، مضيفًا "عندما نخرج من بيوتنا صباحًا ونتوجه لقطف الزيتون نكون مدركين أننا قد لا نعود إلى بيوتنا أحياء".
ويلفت إلى أن بعض المزارعين تركوا أراضيهم بعد أن احترقت أشجارها أو قطعت، ولم يعد هناك جدوى لما تبقى من أشجار.
ويؤكد أن هذه الاعتداءات غيرت نمط حياة المزارعين، وسلبت بهجة موسم الزيتون الذي هو موسم ترفيهي للصغار.
ويقول: "بعد أن كنا نخزن حاجتنا ونبيع فائض الزيت، أصبحنا نشتري الزيت لنسد النقص".
ويضيف "بعد أن كان كل أفراد العائلة يشاركون بعملية القطف، باتت الكثير من العائلات تفضل استئجار عمال للمساعدة بالقطف خوفًا على سلامة النساء والأطفال".
ويشتكي عيسى من غياب أي دور للسلطة في تقديم دعم حقيقي لصمود المزارعين، خاصة على خطوط التماس كبورين والقرى المجاورة.
ويشير إلى أن ضعف السلطة أغرى الاحتلال لفرض التنسيق في مواقع بعيدة عن المستوطنات ولم يكن الوصول إليها سابقًا بحاجة إلى تنسيق.
ويقول: "للأسف حكومة الاحتلال تدعم المستوطنين وتوفر لهم الغطاء، وفي المقابل حكومتنا لا تولي أي اهتمام للمزارعين، وكل ما تقدمه مجرد وعود لا أثر لها على الأرض".
ضوء أخضر
ويعزو مسؤول ملف الاستيطان في شمالي الضفة الغربية غسان دغلس، تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين إلى مجموعة من الأسباب المترابطة.
ويؤكد دغلس لوكالة "صفا" أن تزايد أعداد المستوطنين وغياب أي رادع أو ملاحقة قانونية لهم شجعهم على ممارسة المزيد من الاعتداءات.
ويلفت إلى أن المستوطنين هاجموا عائلة مزارع أثناء قطف الزيتون في دير الحطب شرقي نابلس، وعندما تصدى لهم المزارع، اعتقله الاحتلال.
ويشير إلى أن ما يشجع المستوطنين هو الضوء الأخضر الذي يتلقونه من حكومتهم والحزب الحاكم، والدعم غير المحدود من الجمعيات الاستيطانية التي تعوض المستوطن ألف شيكل عن كل ليلة يقضيها في السجن إذا تم توقيفه.
ويُضاف إلى ذلك، وفق دغلس، التحريض الكبير في المدارس الدينية ضد كل ما يتعلق بالعرب والفلسطينيين، والذي جعل من المستوطنات بؤراً للإرهاب ومنطلقًا للاعتداءات.

 

المصدر: صفا