اختارت الحكومة الإسرائيلية تجاهل وجود المجتمعات البدوية الأصلية في النقب عدة مرات. القرى غير المعترف بها في النقب اختفت عن الخريطة، هُجرت في وقت الحرب، والنقص في المعطيات الحقيقية والعينات المحلية تحرم السكان من الوصول الى الخدمات الحكومية والمدنية الضرورية، وكما سيُذكر لاحقًا- ينتهك حقهم الديموقراطي في التصويت.

المكتب المركزي للإحصاء (CBS)، الجسم الحكومي الذي من المفترض ان يأخذ عينات من جميع سكان إسرائيل، امتنع على مدار السنين من اجراء إحصاء شامل للمجتمع البدوي بأكمله. في الحقيقة، فان الدولة لا تملك أي صورة شاملة عن المجتمع العربي البدوي في النقب كاملًا، لا عن وضعه المدني، ولا الاجتماعي أوالاقتصادي. بالنسبة للمواطنين، فإن نقص البايانات الحقيقية يؤدي الى الحاق الضرر في ممارسة حقوقهم, ففي المرة الأولى على مستوى الميزانية – تعتمد المجالس الإقليمية، نظام التعليم والخدمات الصحية وجميع خدمات الرعاية الأجتماعية على الميزانية لكل مواطن، ولكن بدون وجود معلومات حقيقية، فإن سكان القرى الغير معترف فيها يتواجدون في نقص دائم. عدم وجود أماكن عمل تتوافق مع عدد السكان في المنطقة، عيادات الصحة العامة، خدمات الإسكان العامة، والمنح الغذائية – ليس فقط لأن الدولة لا تعمل على اخراج المجتمع من الفقر، بل لأنها ايضًا تتجاهل حقوقهم في الخدمات الاجتماعية المتساوية. القرى البدوية غير موجودة على الخريطة، والسكان غير مدرجين في التعداد. كل المعطيات الإحصائية عن السكان هي تقديرات معقدة، بدون أي فحص عينات.

الإحصاء ليس مجرد مصلحة عامة، فهو أداة رئيسية للتنمية والتطور. تم تكريس أهمية الإحصاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي النسخة الواردة في القرارات العامة بأن دور المعلومات الإحصائية الرسمية، المُحدّثة والتي تم التحقق منها، هو امر ضروري لأغراض التحليل واتخاذ القرارات فيما يتعلق بالسياسات الداعمة للتنمية المستدامة(1). المعطيات الإحصائية، تفسيرها وتحليلها، هي أمور ضرورية لتحديد اهداف السياسة وتقييم الخطط الاجتماعية والاقتصادية، كما وتعتبر تدخّل أساسي لتحسين ظروف المعيشة لدى جميع المواطنين في العالم. على الرغم من الجهود الحكومية التي بذلت في السنوات الأخيرة لتنظيم التمييز في تقديم الخدمات العامة للمجتمعات، وذك في نطاق الخطط الخماسية للبدو في النقب(2) - وهي برامج للتنمية الاجتماعية والاقتصادية للسكان البدو في النقب، ولكن في الواقع تم تنفيذ هذه الخطط في القرى والبلدات المعترف بها وليس في القرى الغير معترف بها، والتي فيها تتكاسل الحكومة عن تقديم الخدمات، او لا تقوم بتقديمها أصلًا. بالنسبة لعشرات الآلاف من السكان، التي لا يعرف أحد حجمها الحقيقي، لا يوجد سوى 7 مدارس و 4 عيادات ومحطتان للأم والطفل. تواصل السلطات، بما في ذلك المجالس الإقليمية التي تقع داخلها القرى غير المعترف بها، تجاهل حقيقة أنها تقدم خدمات لعدد كبير من السكان غير المدرجين في سجل السكان، وبالتالي، محسوبة وفقًا للصيغ الخاصة بتخصيص الموارد من قبل المكتب المركزي للإحصاء، وليس بناءً على بيانات صحيحة بنفس طريقة البحث ذات الصلة بالمواطنين الإسرائيليين الآخرين.
يعيش في القرى الغير معترف بها في النقب عددًا كبيرًا من السكان يتراوح عددهم بين 90.000 و 100.000 ساكن(3)، الذين ليس لديهم تسجيل جغرافي في بطاقة الهوية، أي أنهم غير معرّفين في السجل السكاني كمقيمين في المنطقة، بل كمقيمين في قبيلة(4). تم تسجيل بعضهم كمقيمين في منطقة لا يعيشون فيها بالفعل، وذلك من أجل الحصول على الخدمات. قد يؤدي عدم تسجيل مقيم في منطقة معينة إلى شعور المواطن بأنه شخص منفصل ومحروم من حقوقه، كما أن فصله هو نتيجة لانعدام حقوقه التي تتطلب واجبات وتدخل السلطات المحلية. التعريف القبلي هو اختيار عنصري من قبل السلطات، التي تسعى إلى تصنيف المجتمعات البدوية على أنها رجعية من أجل حرمانهم من الحقوق المدنية المتساوية.
بالرغم من أن 72.9٪ من السكان البدو في النقب يعيشون تحت خط الفقر و 79.6٪ من الأطفال البدو يعتبرون فقراء(5)، فإن السكان البدو من القرى غير المعترف بها غير مشمولين في مؤشرات الفقر القطرية. علاوة على ذلك، بين السنوات 2008 و 2015، لم يتم شمل المجتمعات البدوية في جنوب إسرائيل في "تقرير أبعاد الفقر والتفاوتات الاجتماعية"(6). على الرغم من أن معدل التوظيف بين المجتمعات البدوية في النقب هو 62٪ للرجال و 30٪ للنساء (2019)(7)، لم يتم تضمين السكان البدو من القرى غير المعترف بها في إحصائيات المكتب المركزي للإحصاء حول التوظيف أو معطيات القوى العاملة. علاوة على ذلك، فإن السكان البدو أيضًا غير مشمولين في المسح الاجتماعي ومسح الإنفاق الأسري وغيرهما.
(1) المبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية، قرار اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 يناير 2014. تم الاسترجاع من https://tinyurl.com/yd3smmc8
(2) قرار الحكومة رقم 2397 بتاريخ 12.02.2017 ، خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسكان البدو في النقب.
(3) جامعة بن غوريون ، قاعدة بيانات على الإنترنت - الخصائص الحياتية للسكان البدو في النقب - الديموغرافيا. (2021). تم الاسترجاع من https://tinyurl.com/aytvtzem
(4) وبحسب تقرير قُدِّم إلى مدير عام وزارة الداخلية (2018) ، بلغ عدد السكان المسجلين كعشيرة في عام 2017 نحو 82 ألف مواطن. المصدر: להבי, ש ', שפרן, ר' ואח '. وثيقة التوصية. يقوم الفريق الوزاري بفحص منح وزارة الداخلية للمقيمين المسجلين من قبائل البدو في النقب. (2018).
(5) أبعاد الفقر والتفاوتات الاجتماعية - التقرير السنوي 2018، مسترجع من https://tinyurl.com/6jve9ckz
(6) تقرير عن أبعاد الفقر والفجوات الاجتماعية - منشورات الضمان الاجتماعي، 2021. تم الاسترجاع من https://tinyurl.com/4ecsywpy
(7) تيروش ، كوهين ، يابلوتسكي (2021). المؤشرات والأهداف في مجال التشغيل لعام 2025 للسكان البدو في الجنوب
على الرغم من أن الدولة قد تعهدت إلى المحكمة العليا منذ أكثر من عشرين عامًا على إيجاد حل لقضية القرى الغير معترف بها في النقب، كجزء من المخطط العام لمدينة بئر السبع (متروبولين)(8)، إلا أنه تم الاعتراف بـ 11 بلدة فقط. منذ الاعتراف بقرية أبو تلول وقرية الشهبي عام 2006، لم يتم الاعتراف بأي قرية بدوية اخرى. علاوة على ذلك، جمدت الدولة الاعتراف بالبلدات التي حصلت على موافقة التخطيط، مثل رمات تسيبوريم، وحتى القرى التي حصلت على موافقة التخطيط، والخطط التفصيلية، مثل الفرعة.

الحرمان من حق التصويت بسبب عدم التسجيل في السجل السكاني

الحق المدني الرئيسي الذي تأثر بهذا الإهمال هو حق التصويت في الانتخابات العامة والبلدية.
ينص القانون الإسرائيلي على أن "الحق في التصويت والحق في أن يُنتخب من بين أهم الحريات الأساسية وأهمها"(9). على الرغم من ذلك، لا يحق للمقيمين المسجلين في سجل السكان كمقيمين في القبيلة التصويت في الانتخابات البلدية للمجالس الإقليمية التي تشملها أراضيهم، مما يمنعهم من ممارسة حق مدني أساسي والمشاركة في العملية الديمقراطية. يعتبر انتهاك الحق في المشاركة في إدارة الحياة العامة على مستوى البلديات أيضًا انتهاكًا للحقوق المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة للحقوق المدنية والسياسية(10) وانتهاكًا للمادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(11)، والتي تنص على أن "إرادة الشعب هي أساس السلطة الحكومية".

تتعلق العديد من الخدمات التي تقدمها الدولة بالموقع الجغرافي لسكانها.
وفقًا للوائح في قانون السكان(12)، يؤدي تسجيل المواطن حسب القبيلة إلى أن يكون الشخص بدون انتماء جغرافي، وبالتالي لا يمكن تعيينه في الهيئات الحكومية المكانية التي تشكل أساس للخدمات والبنى التحتية المختلفة والانتخابات المحلية والمشاركة في الديمقراطية المحلية. أي، يتم تعريفه على أنه لا ينتمي إلى أي مكان(13).
ينبع عدم الانتماء المناسب للقرى البدوية العربية من إصرار الدولة على تجاهل وجود 35 قرية غير معترف بها ورفض تزويدها بالبنى التحتية والخدمات الأساسية.

النتيجة الرئيسية للتسجيل حسب القبيلة هي أن العديد من المواطنين لا يمكنهم التصويت في الانتخابات العامة بالقرب من مكان إقامتهم أو في المكان الذي يمكنهم الوصول إليه، كما يُحرمون من حق التصويت في الانتخابات البلدية. وهذا يعني انتهاكًا خطيرًا لحق المواطنين البدو في النقب في التصويت والتأثير على النظام السياسي، فضلاً عن انتهاك حق واحدة من أفقر المجتمعات في إسرائيل، وفي قدرتها على التأثير وتغيير طريقة التعامل مع ظروفهم.

على الرغم من أن قانون انتخابات الكنيست ينص على قواعد تقسيم الدولة إلى مناطق اقتراع من أجل ضمان المساواة في الوصول إلى مراكز الاقتراع(14) ويحدد إجراءات لحماية حق التصويت للأشخاص ذوي الإعاقة والسجناء والجنود والعسكريين والمعتقلين العسكريين، الدبلوماسيون وحتى المستوطنون الذين يعيشون خارج البلاد، امتنعت لجنة الانتخابات عن تقديم حلاً للمشكلة حتى الآن، مثل تخصيص سفريات أو وضع بطاقات الاقتراع في مدارس في قرى غير معترف بها أو أماكن بديلة.


المكتب المركزي للاحصاء والاعذار


إن تجنب المكتب المركزي للإحصاء إجراء تعداد كامل ودقيق لسكان القرى البدوية وتقديم بيانات كاملة عن سكان القرى الغير معترف بها كان مبرراً لأسباب ثقافية تربوية، مثل الصعوبات في الوصول إلى سكان القرى. على سبيل المثال، الصعوبة في اجراء مقابلات مع النساء بدون وجود أزواجهن.

اليوم، على ما يبدو، من خلال أنظمة المعلومات الجغرافية الأكثر ابتكارًا المتاحة للدولة، يمكن للمكتب المركزي للإحصاء بسهولة إجراء إحصاء سكاني في المجتمعات البدوية غير المعترف بها، وتقديم البيانات السكانية ومختلف الشرائح، سواء من خلال أسماء القرى غير المعترف بها، أو عن طريق الإحداثيات والمعالم. لكننا نفترض أن تجنب فعل ذلك هو خيار سياسي، خوفًا من أن يكون هذه الاعلان مؤهل لاستمرار وجود المجتمعات والقرى أو حقوق سكانها في العيش على أراضيهم. أي أن المكتب المركزي للإحصاء يختار إعطاء الأولوية للمصالح السياسية، وخدمة سياسة الحكومة التمييزية التي لا تعترف بحق القرى في الوجود، على إعطاء الأولوية لدوره المهني والعلمي كمسؤول عن عكس الصورة الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية بشكل صحيح.


(8) محكمة العدل العليا 4540/00 إسحاق دريجات ضد وزير الصحة وآخرين.
(9) اب. 88/1 نيمان رئيس لجنة الانتخابات المركزية للكنيست، (4) ،177 185
(10) اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، 1991. تم الاسترجاع من https://tinyurl.com/r2eafcpk
(11) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. (1948). تم الاسترجاع من https://www.un.org/sites/un2.un.org/files/udhr.pdf
(12) لوائح قانون السكان. (1965). تم الاسترجاع من https://tinyurl.com/4s64ydzc
(13) لوائح السجل السكاني (تسجيل العنوان) ، 1974 ، لائحة رقم 6
(14) قانون انتخابات الكنيست ، البنود 8-13. (1969). تم الاسترجاع من https://tinyurl.com/9xf8eute
حقيقة أن الدولة لا تحتفظ ببيانات أساسية للغاية فيما يتعلق بالمجتمع البدوي يعكس التجاهل الذي تفتعله الدولة، ويؤدي إلى نقص الجهود المبذولة لتلبية احتياجات المجتمع، ولاستمرار تمييز الدولة ضد السكان الأصليين، وإقامة دوائر فقر وفجوات اجتماعية واقتصادية كبيرة.

وتجدر الإشارة إلى أن تجاهل المكتب المركزي للإحصاء للمجتمع البدوي مرتبط بهيكله التنظيمي. في 26 شباط / فبراير 2019، توجه منتدى التعايش في النقب الى رئيس الوزراء المسؤول عن مكتب الإحصاء المركزي، وكتب أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك أي شخص عربي من بين أعضاء إدارة مكتب الإحصاء المركزي.
من بين ما يقرب 70 عضوًا في مجلس الإحصاء العام، هناك عضو عربي واحد فقط، ولا يوجد في إدارة المكتب المركزي للإحصاء أعضاء عرب بتاتًا. ومن بين ما يقارب 90 موظفًا من كبار موظفي CBS كما هو موضح في تقرير حرية المعلومات للمكتب، هناك موظف عربي واحد فقط(15). رد المستشار القانوني لـ CBS برسالة قصيرة، معلنًا أنه سيتم تقديم إجابة تفصيلية قريبًا، ولكن لم يتم تلقي أي إجابة حتى الآن.

والنتيجة هي أنه في حالة عدم وجود معلومات تم التحقق منها، تعمل كل هيئة حكومية وفقًا "لتقديرات" (أو آراء) مختلفة فيما يتعلق بحجم السكان. وهذا يؤدي إلى فوضى بيروقراطية بعيدة كل البعد عن الإدارة السليمة القائمة على بيانات دقيقة وصحيحة.
ويعني هذا الوضع أن متخذي القرار يرسمون صورة مشوهة تشمل، من جهة، مناطق "تم تضخيم" عدد السكان فيها، بسبب تسجيل بعض سكان القرى غير المعترف بها كسكان في القرى المعترف بها. في حالات أخرى يحصلون على صورة ديموغرافية سيئة.
يجب على المكتب المركزي للإحصاء إجراء مسح شامل لسكان القرى غير المعترف بها، وتزويد صانعي القرار بمعلومات شاملة تمكنهم من اتخاذ قرارات مناسبة وعادلة فيما يتعلق بالتخطيط الإقليمي، وتخصيص الموارد مع تلبية الاحتياجات من خلال الوصول إلى الخدمات الأساسية والترويج الحقيقي للسكان الأصليين في النقب.


البحث: شموليك دافيد وإليان كرامر
الكتابة: إليان كرامر
التحرير: حية نوح وشاحف فايسبن
ترجمة: نور وتد











(15) رسالة من منتدى التعايش في النقب "طلب تغيير تكوين مجلس الإحصاء العام". تم الاسترجاع من https://tinyurl.com/47z2jxs8