"لم أتوقع يومًا، حتى في أسوأ أحلامي، أن خروجنا لتناول الطعام، قد يغيّر حياتنا بهذا الشكل، وقد يكون المشوار الأخير مع صديقي "حمودي"، وأن موته سيكون على يد الشرطة" .. هذا ما بدأ به حديثه، الشاب محمد لبيب كيوان، صديق وقريب القتيل محمد محمود كيوان، ابن أم الفحم.

ويكمل محمد حديثه: فجر يوم الأربعاء، 12.5.2021، فجر اليوم الأخير من شهر رمضان، كنا نجلس في منزلنا، وقررنا أن نذهب لتناول السحور في أحد مطاعم مدينتنا أم الفحم ، ولأننا نسكن في آخر المدينة من طرف مي عامي، لا ننزل إلى أم الفحم عبر شارعها الرئيسي، انما من طريق مي عامي، وعند وصولنا إلى مفترق مي عامي، رأينا سيارات شرطة وفوضى قائمة في المكان، لكن أكملنا طريقنا، وعند المفترق تحديدًا، فوجئنا بأشخاص يلبسون ملابس مدنية ويركضون نحونًا، فما كان منا الا الهروب والابتعاد عنهم، ولكن فجأة سمعنا دوي انفجار فوق رؤوسنا، ثم أطلقوا النار علينا، وللحقيقة لم اعتقد أن أحدنا أصيب، فأكملنا طريقنا نحو أم الفحم، وما أن وصلنا إلى المدينة حتى رأينا صديقنا محمد وقد أغمي عليه، وهو مصاب في رأسه، فنقلناه إلى مركز النور الطبي ومن هناك إلى رامبام فورًا.

وتابع: محمد كان يجلس في الأمام، أحمد كان يقود وأنا في الخلف، والرصاصة التي قتلت محمد، كادت تقتلني، فقد مرت بجانب رأسي حيث كنت أجلس خلفه، والحقيقة أننا كنا نعرف عن وجود مواجهات في مدخل أم الفحم، ولكن ظننا أن عبورنا من مي عامي، سيجنّبنا المرور من مكان المواجهات، ولم نكن نعرف أن المواجهات وصلت إلى مفترق مي عامي أيضًا.

لبيب كيوان، والد الشاب محمد يقول: كنت في عملي حتى وقت متأخر من الليل، في سوبر ماركت بقرية زلفة المجاورة، وعندما عدت إلى المنزل في ساعات الفجر، وجدت ابني وكل ملابسه مغطاة بالدماء، فسألته وعرفت منه أن صديقه محمد محمود كيوان أصيب، وهو قريبي أيضًا، فلحقنا بهم إلى رامبام، وبقينا 3 أيام هناك، كانت حالته حرجة، إلى أن قام والده بإبلاغنا أن الحالة مستقرة حاليًا، وكان هذا يوم السبت، وكنت قد حجزت مسبقًا ودفعت في فندق بشرم الشيخ طوال أيام العيد، وبعد الاطمئنان على حالة محمد، اخذت ابني وسافرنا مع أصدقاء إلى شرم الشيخ، ليحسّن نفسيته وللاستراحة قليلًا، وفي يوم الأربعاء، أي بعد 3 أيام من وصولنا، بلغنا أن محمد توفي، فعدنا أدراجنا.


"ادعاءات الشرطة غير منطقية"
وتابع: كل ادعاءات الشرطة غير منطقية، وفي المحكمة واجهناهم بهذا، أولًا هم يقولون أنه كانت محاولة لدهس شرطي، أي الأدلة؟ أين تقرير ما حصل؟ أين التقرير الطبي للشرطي الذي أصيب؟ ثم اذا كان هؤلاء الشباب فعلًا قد حاولوا دهس شرطي كما ادعوا، لماذا لم تبحث الشرطة عنهم ولم تعتقلهم ولم تفعل شيء، الا بعد 11 يومًا من الحادثة، بعد وفاة محمد وبعد أن قمنا بتقديم شكوى لماحش (وحدة التحقيق مع عناصر الشرطة)؟ .. ثم لنقل أن الشباب حاولوا دهس شرطي وشكلوا خطرًا على حياة عناصر الشرطة- مع أن هذا افتراء وكذب- لكن اطلاق النار عليهم كان من الخلف، أي بعد ابتعادهم وزوال الخطر، فهل باتت الشرطة تقوم بمحاكم ميدانية وتنفذ أحكام الإعدام في الشارع؟ .. المؤكد أنه لم يتم إصابة أي شرطي، وأولادنا هربوا عند رؤية المسلحين بملابس مدنية يركضون نحوهم، ولم يعترضوهم حتى، هربوا قبل أن يصلوهم، ولكن من جهة أخرى، وفي ظل ما تعيشه مدينتنا ومجتمعنا من جرائم، أي شخص كان سيرى مسلحين بلباس مدني يركضون نحوه كان سيظنهم مجرمين يريدون استهدافه، ويهرب ويحاول الدفاع عن نفسه اذا لزم الأمر، يعني لو أن عناصر شرطة عاديين طلبوا من أولادنا التوقف، هل هنالك من يظن أنهم سيرفضون ذلك؟ بالطبع لا، نتحدث عن طلاب مدرسة، قاصرين، مجتهدين في دراستهم، ومستقبلهم أمامهم، وكل ما في الأمر أنهم ذهبوا لشراء الطعام، حتى أنهم لم يشاركوا في المظاهرات والمواجهات، علمًا بأن المشاركة في المظاهرات والمواجهات هي حق شرعي للتعبير عن الرأي والاحتجاج والمشاركة هذه لا تبرر اعتداء الشرطة على المشاركين وقتلهم!

كاميرات مفترق مي عامي- التي "فجأة" لم تعد تعمل

محمد الذي كان يستمع لحديث والده ويؤكده، قال: الجميع يعرف أن كل ما يحصل على مفترق مي عامي موثق بكاميرات تابعة للشرطة موجودة في المكان، وقبل عام تم نُشر توثيق لشاب يقود بطريقة مخالفة للقانون هناك، ومن يمر من هناك بإمكانه رؤية هذه الكاميرات التي وثقت كل شيء، لكن الشرطة تقول الآن فجأة أن الكاميرات لا تعمل، وهذا يذكرنا بقضية الشهيد إياد الحلاق وكيف قالوا في البداية أن الكاميرات لم تعمل ولم توثق الجريمة وتبينت الحقيقة لاحقًا. من كل المظاهرات التي حصلت في البلاد، الشرطة اعتقلت وحققت مع شبان، باستثناء المظاهرات على مفترق مي عامي، لماذا برأيكم؟ أنا أقول لكم لماذا، لأن الشرطة اذا اعتقلت أحد الذين شاركوا ستكون ملزمة بعرض ما وثقته الكاميرات، واذا عرضت ما وثقته الكاميرات ستجبر على عرض توثيق قتلهم لصديقي محمد وإطلاق النار علينا.

"الرصاصات كادت أن تقتلنا كلنا"
وتابع: كنا في فترة امتحانات البجروت، كنا نستعد للامتحانات وأمامنا مستقبل واسع، صديقي محمد كان ينوي أن يتعلم التمريض مثل أخيه، وكان شابًا مجتهدًا وخلوقًا وآخر ما توقعناه في الحياة أن يموت بهذه الطريقة، برصاص الشرطة التي من المفترض أن تحمينا وتضمن لنا الأمان، ولكنها بدل ذلك تطلق علينا الرصاص الحي، أكثر من رصاصة أطلقت علينا، إحداها قتلت صديقي وباقي الرصاصات وبلطف من الله لم تقتلني ولم تقتل صديقي الآخر أحمد.

وأضاف محمد: بعدما تقدم أهل صديقي محمد بشكوى لماحش، تم استدعائي وصديقي احمد للتحقيق، ومن هناك أبلغونا أنه تم توقيفنا، وقد حققوا مع أهلنا واخوتنا، ومددوا لي ولصديقي الاعتقال أكثر من مرة، وفي التحقيقات كانوا يحاولون تخويفنا واجبارنا على الاعتراف بأمور لم نقم بها، وعندما كنا نقول أنه فعلًا لم يحصل شيء مما يدعون، كانوا يحاولون خداع كل واحد منا بأن صديقه اعترف بأمور خطيرة، إلى أن انتهت حججهم وادعاءاتهم دون أي دليل أو ادعاء ضدنا.

في تاريخ 27.6.2021، ستقيم المدرسة حفل التخرج السنوي، وسيكون حفلًا صامتًا بدون موسيقى، وسيتم دعوة أهل الشهيد للمشاركة والقاء كلمة، وكذلك أهل صديقيه الذين تم اعتقالهم، فيما تستمر تحقيقات "ماحش" حول الموضوع دون أي جديد حتى الآن.

يذكر أن الشهيد محمد محمود كيوان، وبعد وفاته، تبرع أهله بأعضائه، فتم انقاذ 5 أشخاص، عرب ويهود، بزراعة هذه الأعضاء لهم. وفي نفس الوقت ما زالت عائلته في صدمتها حتى الآن، ولا تستطيع والدته تمالك نفسها من البكاء حين تقابل صديقيه، وهذا يحصل في كل زيارة.

تعقيب الشرطة

وفي تعقيب شرطة اسرائيل حول الموضوع، أصرت أن ليس لديها معلومات عن علاقة بين إطلاق النار على سيارة الشبان وبين دهس الشرطيين، وهذا ما جاء على لسان الشرطة: يدور الحديث عن حادث الذي وقع خلال فترة أعمال الشغب والإخلال بالنظام التي شهدناها في كافة أرجاء الدولة بشكل عام وفي منطقة وادي عارة بشكل خاص، والتي تخللت إلقاء الحجارة بشكل مكثف نحو مركبات تابعة لمواطنين يهود والحاق اضرار جسيمة بالممتلكات والبنية التحتية. تم دهس ضابط شرطة وشرطي يوم 12.05.2021 عند استدعائهم لمعالجة حادثة القاء حجارة نحو مركبات على الطريق رقم 65. مع وصول افراد الشرطة الى المكان وصلت مركبة قادها مشتبه الذي قام بدهس الشرطي والضابط واصابتهما بجروح طفيفه. شكل الامر خطراً على حياة افراد الشرطة مما اجبرهم على الرد باطلاق النار نحو المركبة التي لاذت بالفرار من المكان. في وقت لاحق من ذلك اليوم تلقت الشرطة بلاغ عن وصول مصاب شخص البالغ 17 عام من سكان مدينة ام الفحم لتلقي العلاج الطبي في مستشفى رمبام وعليه علامات اطلاق نار. للتنويه حتى الان لا توجد اي معلومات حول علاقة تربط بين الحادثين حيث تقوم الشرطة بالتحقيق في الحادثين بشكل منفرد. تقوم الوحدة للتحقيق مع افراد الشرطة ماحاش بالتحقيق في حادثة اطلاق النار وتقوم الشرطة بالتحقيق في الحادث اصابة الشاب. نناشد الجميع بالتحلي بالمسؤولية وعدم استخلاص استنتاجات متسرعة خصوصاً في هذه الايام المعقدة.