نشرت وزارة الصحة في الايام الاخيرة معطيات حول ارتفاع عدد حالات الانتحار، ارتفاع حاد باستعمال العقاقير والدواء ضد حالات القلق والاكتئاب، مقارنة بمثل هذه الفترة من السنة الماضية. وقد سجلت ايضاً وزارة الصحة عدد كبير من التوجهات والاتصالات من الجمهور التي فيها مضامين وأفكار انتحاريه أكثر. أزمة الكورونا هي أزمه عالمية والتي من شأنها ان تخلق مركبات انفعالية ونفسية كبيره.

في كل لحظة هناك بين 15-25% من الاشخاص مشغولون بأفكار عن الموت والانتحار

يعاد غنادري حكيم اختصاصية نفسية علاجية، رئيسة رابطة السيكولوجيين العرب في البلاد قالت في هذا السياق: الانتحار وايذاء الذات هي ظاهرة موجودة منذ القدم، يرتكبها البالغون والمراهقون وحتى الاطفال بخلاف ما يعتقد وللأسف فان هذه الظاهرة في ارتفاع طردي عالميا وفي العالم العربي وفي مجتمعنا الفلسطيني بالبلاد ايضا. تشير الاحصائيات الى انه في كل لحظة هناك بين 15-25% من الاشخاص مشغولون بأفكار عن الموت والانتحار، وفي اسرائيل يعد الانتحار السبب الثاني للوفاة بين الذكور المراهقين بعد حوادث الطرق.

وأضافت غنادري: طبعا يرتبط الانتحار بحالة الشخص النفسية فكلما ساءت كلما ارتفعت احتمالية ايذاء الذات، وقد تبدأ بمحاولات للتشفير وحرق الجسد والتسبب بجروح او خدوش ذاتية لغاية الوصول لمحاولات جدية للموت. هذه المحاولات ليست عبثية للفت الانتباه كما يعتقدها البعض انما مؤشرات حقيقة دالة على الضائقة وخطورة وضع من يرتكبها. كمجتمع ومربين وعائلات علينا التيقظ لمؤشرات دالة على الاكتئاب او لتغييرات حادة في سلوكيات وشخصية ومزاج من يهمونا، والانتباه لإشارات غير اعتيادية ايضا كالميل للمثالية او توزيع الممتلكات الشخصية على الاحباء او التحدث برومانسية عن الموت وحتى لارتفاع حاد وغير واضح بالإنجاز الشخصي. 

ونوهت ل "بكرا": محليا قد نعزو الارتفاع الحاد في الانتحار لسوء الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالبلاد وبالذات لشعور بغياب افق وامل بتغيير ايجابي، كما وقد يلعب التباعد الاجتماعي وشعور الفرد بانسلاخه عن انتماءات جمعية مساندة كانت له بالسابق كالانتماء للوطن او الاسرة او الدين او الحزب او الد او العمل مثلا دورا هاما في الامر. نشير الى ان قلة موارد الدعم والتفريغ النفسي بسبب الاغلاق المستمر وتحديد حرية الحركة التي قد تزود الانسان بالطاقة اضافة بالطبع لضيق الحالة المادية وزيادة العنف الاسري وغيرها كلها تساهم بالنهاية بزعزعة قدرة الجلد والصمود لدى الانسان مقابل الضغوطات. ندعوكم واحبائكم للتقارب الاجتماعي، تبادل الدعم والمحبة والتوجه لطلب المساعدة النفسية في حال الضائقة التي توفرها جميع صناديق المرضى ورابطة السيكولوجيين العرب بالبلاد واخصائيين نفسيين واجتماعيين ومهنيين اخرين بالميدان. سويا نحو مجتمع سليم ومتماسك.

قلق واكتئاب

الاخصائي النفسي محمد بكري قال بدوره معقبا ل "بكرا": ارتفاع في عدد حالات الانتحار بفترة الكورونا، ان الصعوبات والمشاكل الصحية التي نمر بها بهذه الفترة وتسليط الضوء عليها من قبل الوزارات الرسمية بالدولة هو امر لا يقل أهمية عن الصعوبات والمشاكل النفسية التي نمر بها بفترة جائحة الكورونا وقد نشرت وزارة الصحة في الايام الاخيرة معطيات حول ارتفاع عدد حالات الانتحار، ارتفاع حاد باستعمال العقاقير والدواء ضد حالات القلق والاكتئاب... مقارنة بمثل هذه الفترة من السنة الماضية. وقد سجلت ايضاً وزارة الصحة عدد كبير من التوجهات والاتصالات من الجمهور التي فيها مضامين وأفكار انتحاريه أكثر. أزمة الكورونا هي أزمه عالمية والتي من شأنها ان تخلق مركبات انفعالية ونفسية كبيره.

وتابع: من عوامل الخطر الاساسية التي تسبب في ارتفاع حالات الانتحار او التفكير بالانتحار هي القلق، الاكتئاب، التوتر، الاحساس بفقدان السيطرة، الضبابية، غياب الامل للمستقبل وضغط مستمر غير مُعالج. أضف الى ذلك تأثير الوضع الاقتصادي الصعب على الجمهور الذي بدورة أيضاً عامل ضغط نفسي أساسي على العائلات وقد يكون ضغط نفسي مستمر لوقت طويل بدون علاج وخصوصاً في فترة إغلاق تتغيب فيها ممارسة فعاليات تخلق حصانة نفسية مثل فعاليات رياضية، لقاءات مع الاصحاب والعائلة...

وختاما قال: من هنا فإن أزمة الكورونا هي أرض خصبة لرفع مستوى القلق والاكتئاب الجمهوري. وقد اثبتت الدراسات ان وجود القلق والاكتئاب ممكن ان تزيد من حالات الانتحار بين الجمهور. وفي الايام الاخيرة كان هنالك عدة حالات إنتحار. نحن أمام أزمة حقيقيه ومعطيات صعبة تتطلب بناء خطة عمل جدية ومهنية من قبل الوزارات المختصة للتخفيف من حدة وصعوبة هذه الفترة.

خوف واكتئاب وادمان مخدرات

بدورها عبير عبد الحليم معالجة نفسية، مديرة التعليم المدعوم بالمجتمع العربي، للأشخاص مع ازمات نفسية عن طريق وزارة الصحة قالت ل "بكرا" في هذا الصدد: حذرت سابقا حول كل موضوع الانتحار حيث ان المرحلة الحالية مرحلة تتميز بالكآبة وفقدان الامل مع صعوبات نفسية واجتماعية واقتصادية تزداد اكثر بسبب ازمتنا النفسية لأننا كعرب اكثر تضررا والاضعف اقتصاديا اجتماعيا ونفسيا لا نملك الخدمات اللازمة للدعم النفسي والاجتماعي والوقاية والحصانة النفسية، حل مشاكلنا يكون حل سريع لا يوجد لدينا قدرة على الصبر او حل المشاكل بطريقة استراتيجية، تعلمنا التلقين ما يصعب علينا المهمة، اليوم نحن نعاني كارثة اجتماعية سنرى عواقبها بعد ذلك، نقوم اقصى جهودنا اتاحة ومحاضرات واستشارة مجانية وإعطاء الوسائل ولكن الوضع صعب جدا بدون أي دعم، الانتحار والكآبة المجتمعية بما اننا في مرحلة النفق فإننا في هذه المرحلة نحن بحاجة الى تكاثف وإعطاء امل وان لا يستمر هذا الاغلاق لوقت أطول، اذ ان استمراره ووجود المواطنين في البيوت بدون قدرة مادية يجعل الوضع أسوأ.

ونوهت: في الحروب تنخفض نسبة الانتحار ويكون تكاثف في البداية ولكن بعد ذلك يبدأ الامر ولكن الان الامر اكثر ضبابية وغير واضح، في البداية كنا نشعر براحة بالرغم من الخوف من الوباء ولكن اليوم الوضع سيء جدا ولا نملك إيجابية، ولا يوجد مكان امن ممكن اللجوء اليه والامر يخنق وينعكس على مجتمعنا بشكل سلبي للغاية، وبالتالي أتمنى ان نبدأ كمجتمع ان يتحمل كل شخص المسؤولية بالمساعدة والمساندة والمؤازرة وان ندعم بعض ولا نحمل بعض اكثر من طاقتنا نحن بحاجة الى التلاصق ككتلة اكثر من أي وقت اخر والا سيكون مجتمعنا المتضرر الأكبر بالعنف والاكتئاب واستعمال المخدرات بكميات اكبر وسنرى ابعاد الامر مستقبلا وأتمنى ان لا نصل الى هذه المرحلة.