يستفاد من تقديرات الأوساط القضائية ان 5% من السجناء في إسرائيل هم أبرياء، ورغم ذلك – فعلى مدى (72) عاماً من قيام الدولة تمت المصادقة على (33) طلباً فقط بإعادة محاكمة سجناء، مع الإشارة الى ان معظم السجناء الذين حصلوا بمصادقة على إعادة محاكمتهم لإثبات براءتهم، لم يكونوا مدانين بجرائم قتل او جرائم خطيرة، بل ممن ارتكبوا جنايات طفيفة.

وخلافاً لما هو حاصل في الولايات المتحدة – فإن إعادة المحاكمة في إسرائيل هو أمر نادر الحدوث، حيث سجل منذ قيام الدول (700) طلب من قبل سجناء لإعادة محاكمتهم. وصدقت المحاكم على (33) طلباً فقط، وانتهى البثّ في (27) طلباً بتبرئة المدانين، وفي بعض الحالات تمت التبرئة بدون إعادة المحاكمة، بعد تراجع النيابة عن بنود لوائح الاتهام.

(30) طلباً في كل عام 

وتجدر الإشارة الى ان النيابة العامة تقدّم خلال العام الواحد اكثر من أربعة آلاف لائحة اتهام تتعلق بقضايا جنائية، وينتهي 90% من هذه الملفات بالإدانة المطلقة أو الجزئية، ما يعني ان الجهاز القضائي ليس مُنزّهاً عن الأخطاء، بدليل ان حوالي 5%من السجناء في إسرائيل أبرياء، أي أن ألفاً من بين (20) ألف سجين يقبعون في السجن دون ذنب اقترفوه. ورغم ان بعض خبراء القضاء يعتبرون هذه التقديرات مبالغاً فيها، إلا ان من المؤكد القول ان احتمال حصول السجناء المدانين على مصادقة بإعادة محاكمتهم – ضئيلة للغاية.

ويشار في هذا السياق الى ان "المرافعة العامة" تتلقى سنوياً (30) طلباً بإعادة المحاكمة، ويتم تقديم طلب واحداً فقط من بينها الى المحكمة للمصادقة عليه، وغالباً ما يُرفض. وعن ذلك يقول المحامي "جوني آش"، المدير السابق للقسم الجنائي في نيابة الدولة، وهو مطّلع على هذا المجال: "عندما يصيح انسان مؤكداً براءته، لا يمكن اغلاق الباب في وجهه، لان من المحتمل ان تكون المحكمة أو النيابة مخطئتين، لكن لا بد من المحتمل ان تكون المحكمة أو النيابة مخطئتين، لكن لا بد من وجود عائق أمام إعادة المحاكمة، بينما لا يستطيع الجهاز القضائي العمل كاللازم اذا ما انهالت عليه الطلبات بإعادة المحاكمة".

إغراءات للاعتراف

وتنبع الصعوبة في الحصول على مصادقة لإعادة المحاكمة في إسرائيل من المسار القضائي نفسه، الذي يضع صاحب الطلب أمام مجموعة من المحفزات والاغراءات التي من شانها ان تدفعه الى الاعتراف بالجرم. ففي مرحلة التحقيق يطلب المحقق من المشتبه ان يتعاون معه "ليساعده"، بينما كلاهما (المحقق والمشتبه) متلهفان للتخلص من الملف بأي شكل وفي أسرع وقت. 

وضع الشخص الذي يسعى الى الحصول على البراءة يتفاقم ويسوء أكثر فأكثر حين يدخل الى السجن، حيث انه يقدم طلب إعادة محاكمته بعد ادانته، وبعد بداية قضاء محكوميته في بعض الأحيان. لكن السجين الذي يصّر على انه لم يرتكب أي جرم، ويرفض طلب الصفح والاعتذار وإعادة التأهيل – لا يحق له التوجه الى لجنة الافراجات للحصول على الافراج المبكر، ذلك ان الافراج المبكر يأتي "كمكافأة" على التأهيل والسلوك الحسن، واذا ما استمر السجين في الادعاء بأنه برئ، فانه عملياً لا ينسب الى نفسه المسؤولية عن الفعلة التي تدخل السجن بسببها.بالمقابل تفضّل منظومة القضاء حث المشتبهين على الاعتراف والخضوع للعقوبة والاستمرار في حياتهم بعد قضاء المحكومية، بدلاً من الاصغاء لأية جهة تدعي انهم أبرياء، وذلك من أجل تجنبّ الإثقال على أجهزة التحقيق والقضاء والسجن، وهذا ما توافق عليه النيابة العامة أيضاً.


كيف يمكن التوصل الى إعادة المحاكمة؟

يبدو الطريق طويلاً للتوصل الى إعادة المحاكمة، وهو يبدأ بفحص ودراسة الملف من قبل محامي الدفاع، للتحقق من وجود سبب أو مبرّر للشروع بهذا المسار. 

ويقول خبير في هذا المجال انه لا توجد في إسرائيل آلية أو جهاز لفحص ما اذا كانت قد وقعت أخطاء في مسار المحاكمة، خلافاً لما هو متبع في عدد من دول العالم. 

واستناداً الى القانون، يجوز تقديم طلب لإعادة المحاكمة اعتماداً على أربعة أسباب أو مبررات: أولها عندما يتبين ان شخصاً آخر قد أُدين بالجرم الذي أُدين به مقدّم الطلب. وثانيها عندما يتم الكشف عن ادلة جديدة م تكن موجودة قبلاً، وهي كفيلة بالتأثير على الحكم الصادر عن المحكمة. وثالثها عندما يتم الإقرار بأن احد الأدلة الذي عُرض أمام المحكمة حينها هو دليل مزيف أو كاذب. ورابعها وجود مخاوف حقيقية من حصول تشويه مؤكد لحكم الإدانة السابق بالإدانة. 

وحتى ما قبل (15) عاماً كان تقديم طلب إعادة المحاكمة يمرّ من خلال المستشار القضائي للحكومة، بينما يتم تقديم الطلب حالياً الى المحكمة العليا مباشرة. 

لجنة برئاسة القاضي يورام دنتسيغر

يقول البروفيسور أورن غازل – ايال، عميد كلية الحقوق في جامعة حيفا، ان احدى المشاكل تكمن في ان الفحص والبتّ في مسألة إعادة المحاكمة في إسرائيل يجريان من قبل "الطرف المحسوب على المدان"، أي هيئة الدفاع والمرافعة، التي تتوكل لاحقاً الدفاع عنه، بينما في إنجلترا مثلاً هنالك جهاز مستقل يتولى فحص الملف ثم يرفع توصية الى المحكمة بشأن إعادة المحاكمة، أو عدم اعادتها. 

ويشار الى ان البروفيسور غازل – ايال هو عضو في اللجنة العامة التي عينتها وزيرة القضاء السابقة، اييلت شكيد، عام 2018، للنظر في الادانات العبثية وإدارة المحاكمات المعادة. ويترأس هذه اللجنة القاضي (المتقاعد) في المحكمة العليا، يورام دنتسيغر، بينما يشغل البروفيسور غازل – ايال منصب نائبه. وقد نشرت اللجنة أول تقرير لها (من ضمن أربعة تقارير) ويتضمن تفصيلات موسعة حول أسباب تشويه المسار القضائي في المحاكم، التي تؤدي في نهايتها الى الزج بالأبرياء في السجون، وتعكف اللجنة حالياً على اعداد تقريرها التالي الذي يتناول آليات وجهاز إعادة المحاكمة.

ومن جهته – يعتقد المحامي جوي آش، المدير السابق للقسم الجنائي في نيابة الدولة، بانه من المفضل ان تتخذ القرارات بشأن إعادة المحاكمات من قبل جهاز موضوعي ونزيه بعيداً عن النيابة العامة، لكن جهازاً من هذا القبيل لم يتشكل بعد، ولذلك – فعندما يتم تقديم طلب بإعادة المحاكمة، يتم الأمر من قبل محامي الدفاع، ويتوجب على النيابة العامة الرد على الطلب وطرح رأيها بالموضوع، وعادة يأتي الرد من قبل وكيل النيابة الذي تولى إدارة الملف، ومن الطبيعي ألاّ يتحمس هذا الوكيل او يتعجل في فحص ما اذا كان المسار القضائي سليماً.

ملف سليمان العبيد 

وهنا تجدر الإشارة الى ان الصراع الرئيس بين هيئة المرافعة والنيابة العامة يتمحور حول الحصول على الأدلة، غير ان حفظ الأدلة والقرائن في إسرائيل يجري بشكل تكتنفه النواقص والخلل، وأحياناً تمضي مدة طويلة بانتظار الأجوبة من قبل النيابة أو بالبحث عن ادلة لضرورات فحصها، وفي كثير من الحيان يتبين أنه ليس هنالك ما يمكن فحصه. 

هذا ما حصل مثلاً في ملف سليمان العبيد (من النقب) الذي أدين بجريمة قتل الشابة "حنيت كيكوس"، وتم الافراج عنه مؤخراً بعد ان أمضى في السجن (27) عاماً، وقد اقتنع كثيرون من محامي الدفاع الضالعين في قضيته انه دخل السجن عبثاً. كذلك – أبدت عائلة الشابة المذكورة شكوكاً في تورط العبيد بالجريمة. وفي العام 2010 تم الشروع بإجراءات فحص إمكانية إعادة محاكمته، وفي هذا الإطار طلبت هيئة الدفاع الحصول على مخلفات أعقاب السجائر التي عثر عليها في الموقع الذي وجدت فيه جثة القتيلة، وكان الرد ان الأدلة قد أتلفت وأبيدت، الامر الذي يؤكد انه لا يوجد في إسرائيل قانون يتعلق بحفظ الأدلة والقرائن.

 

كلما كانت الجناية أخف يصبح من السهل تبرئة المدان 

يتبين من معاينة ومراجعة القائمة القصيرة للمدانين الذين وافقت المحكمة على طلبهم بإعادة محاكمتهم، ان معظم الملفات تتعلق بجنايات طفيفة وغير خطيرة، وكثير منها يتعلق بمخالفات السير، وعن ذلك يقول احد الخبراء في المجال انه من الأسهل للمحكمة ان تفرج عن شخص محتال ومخادع، من أن تفرج عن متهم بالقتل.

وعندما تبيّن انه تمت الموافقة على عدد ضئيل من طلبات إعادة المحاكمة – تم في منتصف سنوات التسعين تشكيل لجنة برئاسة القاضي اليعيزر غولدبرغ للنظر في هذه المسألة، وقد تمكنت هذه اللجنة من ادخال تعديلات تنص على توسيع نطاق الأسباب التي تتيح اجراء محاكمة معادة، لكن النتائج لم تكن مرضية بالمرة، بيبب تداخل عوامل مركبة ومعقدة حالت دون إزالة العوائق والحواجز في هذا الاطار.


 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]