كاتوفيتسي – بولندا | كانت ولا تزال الهجرة المناخية القضية المقلقة إلى حدٍ أقصى، والتي إن لم نتحدث عنها نراها في مشاهد مختلفة تأتينا من مختلف أنحاء العالم، وهي البتّة لا تندرج تحت "ظاهرة جديدة" أو "موضوع الساعة"، وهذا منذ مئات السنوات لربما أكثر، فعلى سبيل المثال، شهدت السهول الكبرى شمال الولايات الأمريكية المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي عواصف رملية شديدة، حيث عُرفت هذه الظاهرة آنذاك بالـ"Dust bowl" أي وعاء الغبار .
أجبرت هذه الظاهرة الكثير من المزارعين على الهجرة باتجاه ولاية كاليفورنيا.
أيضًا في ايرلندا، حيث شهدت الأخيرة على "مجاعة البطاطا" وذلك في القرن التاسع عشر. تمثلت هذه الظاهرة بانتشار مرض خطير أصاب "البطاطا" وما أدى إلى تفاقم المرض هو عامل مناخي بحت إذ شهدت المنطقة فصولًا شديدة المطر تتسم برطوبة عالية. هذه الظاهرة أدت إلى هجرة السكان إلى الولايات المتحدة.

بالطبع، التغيرات المناخية ليست المسبب الوحيدة للهجرة، فيُضاف اليه الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وهذا الحال، تشهده بلدان العالم بأكمله بدرجات متفاوتة، لكننا نتناول في هذا التقرير حال المغرب كنموذج حيوي يشهد ارتفاعًا كبيرًا في الهجرة المناخية.
ففي لقائي مع السيّد ياسين عبّار وهو عضو سكرتارية الائتلاف المغربي للعدالة المناخية، على هامش مؤتمر الأطراف 24 في كاتوفيتسيه بولندا، قال في سياق هذا الموضوع:" تعتبر المغرب من أكثر الدول التي تفتحُ أبوابها أمام المهاجرين من الصحراء على اعتبار أنها الأقرب جغرافيًا، نشهد في الآونة الأخيرة موجات المهاجرين التي ارتفعت مع ارتفاع واتسّاع التأثيرات المناخية مثل اختفاء الزراعة المعيشية والجفاف والتصحر وغيرها والتي تسبب النزوح".

ويضيف "المغرب لم يعد بلدًأ للمرور، بل وجهة تستقبل أفواجًا كبيرة من المهاجرين".
وفي حديث آخر مع د. أحمد طلحي، رئيس لجنة التعمير وإعداد التراب والمحافظة على البيئة في طنجة – المغرب، قال:" أنا من مدينة طنجا، وهي أقرب نقطة جغرافية إلى اوروبا، تبعد فقط كيلو متر. القرب الجغرافي إلأى اوروبا جعلها منطقة مستهدفة من قبل المهاجرين المناخيين من دول جنوب الصحراء، حيث تبلغ الهجرات السنوية إلى عشرات الآلاف".
يضيف "الآن تم ترسيخ وضعية الإقامة لأكثر من خمسين ألف مهاجر من الأفارقة، ووفق دراساتنا الأخيرة، فإننا سنستقبل في المغرب ما لا يقل عن 6 ملايين مهاجر حتى العام 2050، وستستقبل الدول المختلفة نحو 200 مليون مهاجر معظمهم من الدول الافريقية".
هذه المعطيات دفعت الحكومة المغربية والبلديات المحلية إلى تخطيط وتنفيذ عشرات المشاريع الداعمة لهؤلاء المهاجرين، ابتداءً من مشاريع دمج الأطفال في المدارس، ودمج العاملين في سوق العمل وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية وغيرها، رغم كل المعيقات القانونية، فمثلًا لا يسمح القانون المغربي بدمج الأطفال بهدف التعليم في المدارس الحكومية، كذلك تقديم الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية، ما دفع الجهات المسؤولة إلى طلب تعديل القوانين فيما يتلاءم مع الوضع الناتج عن نزوح المهاجرين.

ويردف السيّد ياسين عبّار قائلًا "تم المصادقة على الميثاق العالمي من قبل الأمم المتحدة، حيث تمت صياغته في مراكش، ونحن مسرورن كمجتمه مدنيّ أننا شاركنا في بنائه وبلورته وعززنا رأينا وطرحنا حلولنا ورؤيتنا حول هذه القضية. اليوم يمكنني القول أن الهجرة المناخية هي احدى اولويات المغرب".

يضيف " نحن كمجتمع مدنيّ، أخذنا دورنا في هذه القضية بشكل جاد، حيث انطلقنا في العمل على أرض الواقع، ولدينا مساهمتنا في دعم المهاجرين واحتوائهم، ونحن العمل الآن على نبذ خطاب العنف والكراهية".

جدير بالذكر أنه ووفق مركز مراقبة النزوح الداخلي Internal Displacement Monitoring Centre قد نزح أكثر من 42 مليون مواطن من المنطقة الآسيوية والمحيط الهادىء خلال العام 2010 و2011، ذلك بسبب الفيضانات وارتفاع منسوب المياه في البحار وموجات الحر والبرد والعواصف الشديدة.

في المقابل، ورغم هذه الحقائق المقلقة، لا تتضمن اتفاقيات الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغيرات المناخية أي شروط تضمن تقديم المساعدة أو الحماية لمن يهاجرون من بلدانهم بسبب التغيرات المناخية.

أخيرًا، يؤكد د. أحمد طلحي "ينبغي على المجتمع بأكمله أن يدرك أهمية هذه المشكلة وأن يتهيأ لها بالشكل المطلوب، بالمقابل، مطلوب من الحكومات عامة أن تتبنى سياسات واقعية ومؤثرة وأن توفر الموارد المالية من أجل تقديم الحماية الاجتماعية وتنمية ظروف المعيشة الأساسية وإدارك كيفية إدارة المخاطر".