كان وقع جريمة قتل النائب البريطانية العمالية "جو كوكس" بالرصاص والطعن في 16 يونيو الجاري شمال بريطانيا صادمًا لداعمي الحقوق الإنسانية، ومؤيدي القضية الفلسطينية، لكنه كان مؤشرًا لوجود أطراف أوروبية تنتهج "القتل" لإقصاء آراء معارضيهم.
ووفق شهادات سكان محليين؛ فإن رجلًا في الخمسينيات من العمر، يحمل مسدسا في يده، أطلق النار على "جو" مرة ثم أطلق عليها ثانية، فسقطت على الأرض، فانحنى عليها وأطلق النار عليها مرة أخرى في منطقة الوجه".
وحاول أحد الاشخاص المارة دفع القاتل، لكنه تصارع معه وأخرج سكينا، وبدأ في طعن "جو" عدة مرات، وكان الناس يصرخون ويهربون من المنطقة، وفق شهادة أوردتها "بي بي سي".
داعمة لفلسطين
قبل أن تكون "كوكس" عضوة في البرلمان البريطاني عام 2015، كانت أياديها البيضاء تمتد في العمل الإغاثي إلى مناطق واسعة في الشرق الأوسط، وكان للأراضي الفلسطينية نصيب كبير منها.
عُرفت "فقيدة الإنسانية" كناشطة في منظمة "أوكسفام" (إحدى أكبر المنظمات الخيرية الدولية المستقلة في مجالي الإغاثة والتنمية) بين الأعوام 2001 و2009، وكان لها دور أساسي في إدارة الملف الفلسطيني بالمنظمة.
أدركت "كوكس" أن العمل الخيري وحده لن يكون مؤثرًا بما يكفي لإيصال رسالتها، فانخرطت في حزب العمال، وشاركت عام 2008 بفعاليات حاشدة مناصرة للشعب الفلسطيني في غزة، ومنددة بالعدوان الإسرائيلي.
كان للناشطة البرلمانية بصمات مشهودة في إثراء الندوات والمؤتمرات المناصرة للشعب الفلسطيني- سواءً التي أقيمت في البرلمان البريطاني أو الجامعات- بحقائق الانتهاكات الإسرائيلية بغزة والضفة الغربية المحتلة، وبيان "الوجه القبيح" لـ"إسرائيل".
ولعبت دورًا كبيرًا من أجل حث حزب العمال البريطاني على إصدار مواقف داعمة للقضية، ورافضة للانتهاكات الإسرائيلية والاحتلال في الأراضي الفلسطينية.
في عام 2009 برزت جهود "كوكس" الكبيرة في إصدار تقرير بالشراكة مع منظمات حقوقية بشأن الحصار الإسرائيلي على غزة، وكان من أهم التقارير التي صدرت بهذا الشأن.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنها ترأست الملف الفلسطيني الإسرائيلي في "أوكسفام"، وأطلقت حملة باسم المنظمة لإبراز تداعيات الحصار على غزة.
أثناء العدوان الإسرائيلي المُدمّر على قطاع غزة في 2014، انخرطت الناشطة بشكل كبير في رفض الهجوم الإسرائيلي، وفور حدوث مجزرة عائلة بكر، التي قتل فيها أربعة أطفال، كتبت رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون تطالبه بوقف ما يحدث في غزة.
كما كتبت الناشطة عددًا من التغريدات التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي، ودعت لوقف العدوان فورًا.
برزت "كوكس" كأحد أهم المرشحين لخوض الانتخابات البرلمانية البريطانية عام 2015، وبعد فوزها بدائرتها الانتخابية، واصلت مشوارها الإنساني بشجاعة.
لم تترك البرلمانية فرصة إلا دافعت عن الشعب الفلسطيني، وعملت بشكل أساسي على تشكيل واستمرار عمل مجموعة "أصدقاء فلسطين" داخل البرلمان البريطاني، ودافعت في عدة مداخلات عن الفلسطينيين، ولاسيما الأطفال الذين يعتقلهم الاحتلال الإسرائيلي، كما شاركت في صياغة بعض المواقف المتعلقة باللاجئين السوريين والفلسطينيين.
وكانت "كوكس أمًا لطفلين، وتبلغ من العمر 41 عامًا، تخرجت من جامعة كمبردج في عام 1995، ونائب عن ببلدة بيرستال القريبة من مدينة ليدز شمال بريطانيا.
"خسارة للإنسانية"
وقال رئيس المرصد الأورومتوسطي رامي عبده إن عملية قتل "كوكس" "جريمة تمس كل الذين عرفوا ويؤمنوا بمبادئها"، مضيفًا أن "المبادئ مهددة في بلد مثل بريطانيا التي يفترض أن تكون عنوان لتعزيز تلك القيم".
ولفت إلى أنها "كانت تكرس كل وقتها وجهدها من أجل تعزيز قيم العدالة ومحاربة الكراهية وتعزيز قيم التسامح".
وأضاف لوكالة "صفا" "يساورنا القلق الشديد إزاء تلك الجريم التي جاءت نتاج لما حذرت منه الكثر من المؤسسات الحقوقية من رفض الآخر، ومعادة التسامح داخل المجتمعات البريطانية، وتحديدا ضد الأشخاص الذين يدافعون عن حقوق الأقليات".
وأشار لأهمية أن تأخذ الجريمة مكانتها في النقاش لتلافيها، ومعالجة الأسباب التي أدت إليها.
وذكر أن "الوفاء لكوكس يتمثل في تحقيق حلمها بتعزيز قيم العدالة والمساواة، ومن المهم أن نستذكر جو كعنوان ورمز للدفاع عن قضايا اللاجئين والإنسان".
واعتبر الحقوقي عبده أن "الإنسانية ضُربت بشكل كبير عندما تم بالمساس بكوكس، وتشعر أنها جريحة بفقدانها، ولا يمكن لأي أحد مداواة هذا الجرح دون تحقيق الحلم الذي ماتت من أجله".
[email protected]
أضف تعليق