يعمل الأربعيني جمال محمد فاخوري (أبو محمد) بكلتا يديه في محله الصغير وسط بلدة جبع قضاء مدينة جنين بالضفة الغربية المحتلة، مع ابنه الأكبر محمد بصناعة الفخار.

ويجلس ابو محمد في تجويف صغير أمام دولاب الخزاف واضعا قدميه على مفرش خشبي يحركه بشكل دائري بواسطه قدميه ليتم تحريك رأس الدولاب الذي يحتوي على قاعدة من الطين.

وتلف القطعة الطينية بسرعة بين يديه الخشنتين ليشكل منها قطعة فخارية جميلة.

ويقول أبو محمد وهو ينهمك بتجهيز طلبية من صناعة الحصالات الفخارية: "هذه المهنة تسري بدمي قد ورثتها من أبي الذي ورثها عن جدي وسوف أعلمها لابني الأكبر محمد".

ويشعر أبو محمد بفخر كبير لأنه استطاع أن يحافظ على هذه المهنة التراثية التقليدية عبر عقود مضت.

30 عامًا 

ويمتهن ابو محمد مهنة صناعة الفخار منذ اكثر من ثلاثين سنة وتشكل لديه مصدر رزقه الوحيد. ويمضي أبو محمد قائلا هذه المهنة تحتاج الى وقت كبير بتعلمها اضافة الى الصبر والإرادة والحب.

ويشير أبو محمد أن هذه المهنة تحتاج الى عدة مراحل للخروج بشكلها النهائي، فهي تمر بالبداية بجمع التراب من ارضهم الواقعه على اطراف البلدة ومن ثم عجن التربة لتصبح طينا وتخمر لمدة عام من أجل اكسابها قواما جيدا، ومن ثم تشكيلها بيديه وبواسطة آلات بسيطة وبعدها يتركها لتجف ومن ثم يتم حرقها.

ويتابع ابو محمد أن الفخار اليوم ما زال يلقى رواجا جيدا وله زبائنه الذين يحبون شراؤه، مشيرا إلى أن الفخار في القدم كان يستخدم من ضمن أداوت المطبخ او المنزل، وكان يوضع في الأواني الفخارية والجرار الماء والزيت والعسل وغيرها، اما اليوم فقد أصبحت هذه الأدوات تستخدم للزينة فقط.

وحرص ابو محمد على تعليم هذه المهنة التقليدية إلى ابنه البكر محمد، للحفاظ عليها وارتباطها بالعائلة.

ويقف محمد جنبا إلى جنب مع والده في محلهم الصغير الذي قسم إلى عدة أقسام منها مكان لعرض المنتجات الفخارية وقسم لحفظ الطينة وقسم وضعت فيه المنتجات الفخارية التي تحتاج إلى تجفيف وفي الخارج وضع فرن خبز الفخار.

المشوار بدأ في الـ 9 من العمر 

وينوه ابو محمد إلى أن هذه المهنة قد هواها منذ أن كان في التاسعة من عمره، وبعد أن اكمل مرحلة الثانوية العامة اتخذها مصدر رزقه.

ويقول ابو محمد وهو ينقل المنتجات الفخارية التي قام بصناعتها إلى مكان التجفيف: "كل مرحلة من مراحل إنتاج الفخار تحتاج إلى وقت.

ويبيع ابو محمد منتجاته الفخارية بالجملة إلى محلات عرض الفخار، مشيرا إلى أن أسعار المنتجات الفخارية رخيصة الثمن مقارنة بالتعب والجهد الذي يقوم به، لكنه متمسك بهذه المهنة إلى آخر رمق.

وأكد ابو محمد أنه على مدار العقود الماضية لم يدخل أي نوع من التكنولوجيا على صناعة الفخار وذلك حرصا منه على أن تبقى هذه المهنة بحلتها التقليدية.

والرجل سريع البديهة في التقاط الرسومات التي يراها في أي مكان، ويحرص على تقليدها وخاصة ما يراه داخل الكتب القديمة من صور للأواني الفخارية.

يقول ابو محمد إن لديه العديد من الكتب التي تحتوي على صور وأشكال فخارية وهو دائما يحاول أن يقلدها ويعمل مثلها.

وينوه إلى أن هناك بعض الزبائن يأتون له برسومات معينة وهو يعمل لهم ما يريدون، ويمضى ابو محمد قائلا ان فصل الشتاء يقل معدل الإنتاج وذلك بسبب الطقس الذي لا يساعد على تجفيف الفخار بسرعة، ولذلك يكون معدل إنتاجهم أقل مقارنة مع أي أي فصل آخر.

السياحة الفلسطينية تهتم بصناعة الفخار 

من جانبه، يقول وكيل وزارة السياحة والآثار حمدان طه إن صناعة الفخار تعود إلى الالف السادس قبل الميلاد في نطاق مرحلة العصر الحجري الحديث وهي الفترة التي شهدت الثورة الزراعية وظهور المستوطنات البشرية.

وفي فلسطين تم الكشف عن أقدم صناعة فخار في تل السلطان في مدينة أريحا- يقول طه-، ويضيف أن صناعة الفخار جاءت تلبية لاحتياجات الإنسان في ذلك العصر بعد أن أصبح هناك فائضا اقتصاديا في المنتجات الغذائية التي ينتجها الانسان، واصبح هناك حاجة للتخزين.

ويتابع طه "كان لا بد أن يجد الإنسان اواني لحفظ الأطعمة والسوائل بوجه الخصوص فظهرت صناعة الفخار".

ويشير طه إلى أنه لم يجر أي تطور على صناعة الفخار منذ ظهورها حتى الآن سوى الدولاب المتحرك الذي يسرع في عملية الإنتاج عوضا عن استخدام القدمين للتحريك.

ويمضي طه مضيفا أن هناك مدارس عديدة لصناعة الفخار يتميز كل منها عن الآخر في الأشكال التي يتم إنتاجها والزخارف التي ترسم على الأواني الفخارية وأن هناك بعض المدارس تقوم بتلوين الفخار مثل مدرسة تل العجول في قطاع غزة، التي يشهد لها بجمالها.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]