الشريط الأخباري

بين السياسة والتاريخ

بقلم: محمّد لواتي- رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي
نشر بـ 01/01/2018 13:58 , التعديل الأخير 01/01/2018 13:58
بين السياسة والتاريخ

سياسات بعض حكّامنا كلها أخطاء منذ وفاة بومدين، وفيصل، وعبد الناصر، وسوار الذهب .. إن الظروف لا تصنع البطل، ولنا في "نابليون بونابرت" العبرة، لقد أسّس إمبراطوريته على خارطة الأوهام فمات في منفاه في "هيلانا" ذليلاً وأمام أعدائه، لقد كان غاندي رجل التاريخ بقوّة التاريخ لا لأنه مؤسّس نظرية اللاعنف في مواجهة الاحتلال، بل لأنه كان ابن الشعب يلبس من لباسه و يأكل من طعامه، كان يشبه الصوفية في رؤاه ومسعاه ونضاله، وبالتالي استحق لقب صانع المعجزة الهندية، والهند اليوم دولة نووية بعد أن كانت من أفقر دول العالم، إن التاريخ لن يكون إلا واحداً من إثنين إما معك وإما ضدك، ولن يكون بالطبع إلا محايداً في حكمه، هذه قضية يعرفها الجميع، لقد وقعت سيئات بل وحتى خيانات في الوطن العربي من بعض المسؤولين فيه، فالذين أشعلوا حرب أميركا بالدواعش على العراق وسوريا هم بعض حكّام الخليج ، بحيث استبيحت الأراضي العربية من طرف الجيش الأميركي وقتل فيها أكثر من مليوني سوري وعراقي، ودمّرت فيها مدن بكاملها مثل الفلوجة والرقة بطائرات أميركية انطلاقاً من أراضي دول الخليج وكأن الأمر لا يعنيهم ، واليوم أميركا تطالب كل الدول العربية بالتخلّي عن تاريخها وحضارتها ومقوّماتها بما فيها القدس، أليس من حقنا أن نتساءل أين نحن في التاريخ ومن الصراع الحضاري الدائر اليوم بيننا و بين الغرب ..؟ أليس من واجبنا أن نقول للحاكم العربي إن الكارثة التي يمكن أن تأتي على الأخضر واليابس قادمة فماذا أنت فاعل ، إن لم تكن أنت فاعلها .. ؟ ولكن دعنا نعود إلى التاريخ لأنه الشاهد الحاضر في كل لحظات عصرنا لنعرف على الأقل كيف يكون الانتصار و كيف تكون الهزيمة.
 

أولاً: حين فتح عمر بن الخطاب القدس دخل حاضرته ماشياً على الأقدام وخادمه راكباً وكان بإمكانه أن يشير بيده فقط فتفرش له الأرض بالبسط ، وتحاط الأرصفة بكل ألوان الورود حتى من الذمّيين .. لكن عمر كان ينحت من التواضع دروب الحرية وبصائر المعرفة وقوانين الحكم الراشد ..كان إذن رجل التاريخ وإلى الأبد، ولطالما أكّد الواقع البشري على حقائق عدّة منها : أن التاريخ لا تصنعه دقات الطبول، ولا الطوابير البشرية المحشورة على الأرصفة لاستقبال الزعيم وإلا لكان للأنبياء والرسل السبق إلى هذه المتاحف البشرية.


ثانياً: حين تولّى الخلافة عمر بن عبد العزيز خرج من بيته إلى المسجد ماشياً على الحصى حافي القدمين ولم تكن الطرق وقتها معبّدة مثلما هي عليه الحال اليوم، و تقول المصادر التاريخية المؤكدة أنه قبل تولّيه الخلافة كان يخرج من بيته إلى المسجد ماشياً على البساط الأحمر وكانت لحيته تلمع من كثرة العطر .. هذا الانقلاب الداخلي الذي أحدثه عمر في حياته لم يأت من فراغ عقيم ولا من نظرة فلسفية تأخذ من منابع الصوفية قوّتها، بل لأنه رجل التاريخ وأحسّ فعلاً أنه أمام أمّة حمّلته القيادة ، ولكي يكون في مستوى التاريخ عليه أن يعود إلى وجدان الأمّة و نحت مصيره وقوّته من مصيرها وقوّتها، و قد كان فعلاً ضميراً للأمّة و روحها فاستحق بذلك صفة الحاكم الراشد، ليس للمسلمين فحسب بل لكل الأجناس التي كانت تحت وصايته : تقول أيضاً الروايات التاريخية المؤكّدة أن أحد الرجال من مشيّعي جنازة عمر ابن عبد العزيز شاهد شخصاً على حافة الطريق جالساً وهو يبكي فسأله ما يُبكيك..؟ فأجابه أوَما سمعت أن عمر بن عبد العزيز توفى اليوم لقد انطفأت شمعة كانت تضيء لنا الطريق ، كان شمعة لأنه لا يُظلم عنده أحد وهو الذي سنّ قانون (من رفع إليّ مظلمته فله مكافأة).


ثالثاً : حين توفى مصطفى أتاتورك و هو الذي ألغى ضمير الشعب التركي وأطفأ وجدانه الإسلامي ، لم يجد مَن يصلّي عليه صلاة الجنازة وصلّوا عليه عساكره ، وتقول وقتها وكالة الأنباء الفرنسية في برقية عاجلة لها من اسطنبول" إن الشعب التركي خرج في تظاهرات عارمة ينادي (آذان عربي..آذان عربي) - لأن أتاتورك كان قد منع الآذان في المساجد - و هذا بعد أن أعيد الآذان إلى المساجد ..لقد كان أتاتورك خارج التاريخ لما قام به من اختزال لتاريخ تركيا فدخلت تركيا دوّامات العنف السياسي والانقلابات العسكرية إلى غاية التسعينات. واليوم يحكمها باسم الإسلام أتاتورك جديد.


إذن، كل ادعاء بالحُكم الراشد في العالم العربي اليوم هو من قبيل الاستهلاك السياسي وكل ادّعاء بالديمقراطية خارج الأسوار هو ادّعاء للتغطية على القُبح السياسي الممارس في حق التاريخ والجغرافيا والأمّة، وبالتأكيد إن تواصلَ مسلسل هذا الإدّعاء فإن العالم العربي سيكون من جديد تحت تصرّف البيت الأبيض الأميركي والحكّام فيه مجرّد ممثلين لسياسة البيت الأبيض ومن فيه من المحافظين الجدُد من البيض والسود على السواء. إن الأخطاء تلد الأخطاء ، وما دام الاختيار قائماً على الخطأ أي على حساب الرأي العام فإن الكارثة الحاصلة لن تكون الأخيرة، لقد كان "ديغول "يفكّر بمنطق الزعيم وكان يقول "أنا فرنسا الأمّة" و لكن بمجرّد تظاهرة صاخبة قادها طالب يهودي إسمه "كوهين" - إن لم تخنّي الذاكرة ثم لحق به في بثّ الفوضى بـ"الشانزليزي" جان بول سارتر، ترك الرئاسة والزعامة وسكن مساكن قريته إلى أن مات هناك،ولكنه ظل زعيماً بوجدانه حتى وهو يكتب مذكراته عن آخرها.
 

أضف تعليق

التعليقات