الشريط الأخباري

خذوني الى اليابان.. حيث لا عنف ولا قتل

زياد شليوط
نشر بـ 05/06/2017 22:27
خذوني الى اليابان.. حيث لا عنف ولا قتل


هل يمكنكم أن تصدقوا أن انسانا واحدا فقط قتل خلال العام 2015 في اليابان؟ وهل يمكنكم أن تستوعبوا أنه في "دولتنا" دولة العرب في اسرائيل قتل منذ بداية هذا العام 31 انسانا حتى ساعة كتابة هذا المقال؟ وفي الوقت الذي بلغ فيه عدد سكان اليابان 127 مليون انسان في العام 2015، بينما بلغ عدد سكان "دولتنا" مليونا واحدا وبضع آلاف.
لا.. لا تعدوا العشرة، فنحن بالكاد نحصي ضحايا القتل في مجتمعنا، وبتنا بحاجة لمركز احصاء ليزود وسائل الاعلام ومراكز البحث، بأرقام ضحايا القتل وتفرعاتها. قتل بالرصاص، قتل بالطعن، عدد النساء الضحايا، عدد الضحايا في كل قرية ومدينة، عدد الضحايا وفق الأعمار وما شابه.
في رمضان يرتفع منسوب العنف والجريمة
من توهم أن شهر رمضان سيخفف من منسوب الجريمة في مجتمعنا أخطأ بلا شك، وهذا يعيدني سنوات الى الوراء عندما كنت معلما في المدرسة، وكنا نعاين مع زملائي مندهشين، ارتفاع منسوب العنف بين الطلاب خلال شهر رمضان، الأمر كان يثير استغرابنا. ولم تجد بالطبع كل المواعظ والمحادثات التربوية ولم تساهم في تخفيف منسوب العنف بين الطلاب، وهل الطلاب إلا صورة مصغرة عن المجتمع؟ وهكذا فكل الكلام والبيانات والمواعظ، لا تنجح في ايقاف نزيف الدماء في شوارعنا وأحيائنا وبلداتنا.
منذ بداية رمضان شهر الخير والبركات كما يقال، ازداد العنف والقتل، ولم نعد نقدر على احصاء الضحايا والأحداث: ضحيتان في كفر قاسم، ضحية في الناصرة، ضحيتان في يافا، الى جانب مصابين في حوادث اطلاق نار. هذا كان في الأسبوع الأول فقط، ونرفع دعاءنا الى الخالق ألا يفجعنا بضحايا آخرين.
في اليابان تعاني الشرطة من الملل
استوقفي تقرير ظهر في "هآرتس" نهاية الأسبوع الماضي نقلا عن صحيفة "اكونوميست" وكأني أقرأ عن كوكب آخر يعاني فيه أفراد الشرطة من الملل نتيجة اختفاء الجريمة، حتى أنهم يفتشون "بسراج وفتيلة" عن جريمة! ويشير التقرير الى أن نسبة الجريمة في اليابان باتت الأقل في العالم بحيث انخفضت الى معدل 0.3 جرائم لكل 100 ألف انسان وأن انسانا واحدا فقط قتل خلال العام 2015. لهذا ليس غريبا أن يتحول أفراد الشرطة الى عاطلين عن العمل يشعرون بالملل، يبحثون عما يشغلهم، لذا يلجأون الى أعمال أخرى ضمن ساعات دوامهم مثل ملاحقة لصوص الدراجات الهوائية والتحقيق في سرقات كانت مهملة حتى ملاحقة لصوص الثياب المنشورة على حبال الغسيل، كما يفيد التقرير وتظن وأنت تقرأ أنك تتابع مشهدا كوميديا مسليا.
ونقف حائرين لماذا كل هذه الجرائم في مجتمعنا، أي وباء ألم بنا وأي داء ينخر في عظامنا، بل أي وسواس يوسوس في عقولنا؟ عندما تثار مسألة الجريمة أو العنف في مجتمعنا نسارع الى توجيه اصبع الاتهام الى الشرطة. نعن ان الشرطة مقصرة وتقع عليها مسؤولية الاهمال في جمع السلاح وغض النظر عن المتاجرة بها وتشجيع العصابات على ممارسة جباية الخاوة وتصفية الحسابات فيما بينها وفق سياسة "فخار يكسر بعضه". والسلطة العليا بمؤسساتها ووزارتها مسؤولة أيضا عن الوضع الاقتصادي المتردي لمجتمعنا، حيث تغيب المناطق الصناعية المتطورة وتوفير فرص العمل أمام شبابنا وشاباتنا، وتزداد أحياء الفقر فقرا نتيجة الاهمال المتواصل بدل أن تكون أحياء منتعشة ومزدهرة بالملاعب والحدائق والنوادي. كل ذلك صحيح لكن ماذا مع مسؤوليتنا ألم يرد في القرآن الكريم " إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرّعد:11). المفتاح اذا يكمن في الذات سواء كانت ذاتا فردية أو جماعية. وهذا ما أكده التقرير المذكور عن اليابان والذي يؤكد أن اليابان تحولت الى دولة نظيفة من الاجرام ليس بفضل الشرطة بل بفضل المواطنين الذين يراقبون أنفسهم وينظفون مجتمعهم، فهل نحن على استعداد لأن نعمل على تنظيف أنفسنا ومجتمعنا؟ هل نملك الشجاعة في مواجهة أنفسنا؟
من يغلق مدرسة يفتح سجنا
وللأسف بدل أن نتحلى بالشجاعة نعود الى أدواتنا وأساليبنا البالية والمهترئة في مواجهة مشاكلنا وقضايانا. فقد أعلن رئيس بلدية كفرقاسم المحامي عادل بدير، في اجتماع للجنة المتابعة العليا عقد في بلدته في نهاية الأسبوع المنصرم: "كفرقاسم فيها عنف وجريمة وعصابات وعائلات اجرام، عندما يقولون بأنّ هنالك عنفًا مستشريًا هذا يعني أنّ الخلل في المجتمع. من هنا نقول ونؤكد بأنّ كفرقاسم قررت إعلان الحرب على الاجرام والمجرمين، ونعلن ايضا بأنّ مدارس كفرقاسم ابتداء من يوم غد ستكون مغلقة حتى نهاية العام الدراسي الحالي، حتى نرى حلولا جذرية على ارض الواقع، وإن لم نر أيّ تغيير فلن نفتح مدارسنا ايضا مع بداية العام الدراسي الجديد".
من هنا يبدأ الغلط ومن هنا تنمو الجريمة. أي حل ابداعي هذا الذي يتمثل في اغلاق المدارس؟ ألم يقل أحدهم عندما تفتح مدرسة تغلق سجنا، فما بالنا نعكس المقولة؟ أي أنه مع اغلاق المدارس سيزداد منسوب العنف وسترتفع نسبة الجريمة، حيث سيكون الطلاب لقمة سائغة في فم الشوارع المنفلتة والسائبة. أي حل هذا وأي قرار تعيس يقذف بأبنائنا وطلابنا الى الشوارع حيث التسكع الملل وامكانية الانحراف نحو العنف متاحة؟ وبالتالي فان ذلك يساهم مساهمة مباشرة في تحضير الأرض لنمو العنف والجريمة في مجتمعنا. فاذا أردتم أن تحاربوا الجريمة حقا، فلتتوجهوا نحو بلاد الشمس، نحو اليابان.
(شفاعمرو/ الجليل)
 

أضف تعليق

التعليقات