الشريط الأخباري

رمضانيات

بقلم: د.عاطف أبو سيف
نشر بـ 05/06/2017 09:52 , التعديل الأخير 05/06/2017 09:52

يمر رمضان مثلما يمر كل عام، لكن وقعه في النفس يختلف من عام لآخر. رمضان هذا العام مختلف أيضاً مثلما كان رمضان الذي سبقه مختلف عن كل ما سبقه. لكن المؤكد أن ثمة شدة كبيرة يواجهها الناس في رمضان هذا العام، شدة تضاف إلى جملة الشدائد الكثيرة التي واجهوها قبل ذلك.

وهي شدة تشمل مناحي الحياة كافة وتصيب عصب استقبال الشهر الكريم. ويمكن بنظرة خاطفة إلى الشارع في غزة أن يستدل المرء على الكثير من نواحي تراجع الاحتفال بالشهر وضعف مباهج استقباله. الكثير من العوامل تسلط الضوء على ذلك التراجع وهذا الضعف. لكن المؤكد أن رمضان أيضاً سيمر كما مر رمضان الذي سبقه. ثمة العشرات من الأزمات التي تعمق عذابات الناس، التي قد تبدأ بشح الموارد وتمر بالكهرباء والغاز وتنتهي بآلامهم الشخصية.

مثلاً يمكن ملاحظة ضعف السوق في غزة من الحركة بطيئة الايقاع خاصة في الأسبوع الذي سبق قدوم الشهر الفضيل. حيث عادة ما يكون الأسبوع الذي يسبق رؤية هلال الشهر الأسبوع اكثر أوقات الاحتفال بالشهر ابتهاجاً حيث تبدأ الحلة والزينة في تغطية الشوارع وجدران البيوت، وتبدأ المحلات بنشر بضاعة الشهر من أطعمة وكماليات لا يستهلكها الناس إلا خلال الصيام، وتظل فوانيس رمضان التي تملأ المحال وتزين الشوارع بأحجامها المختلفة مظهر رمضان الاكثر بروزاً والأكثر حظوة في كرنفالات الاحتفال بالشهر المبارك. كما يبدأ الأطفال يجوبون الشوارع يحملون الفوانيس الملونة – الآن كلها صناعة صينية وتكاد تشك ان من يردد أغاني رمضان المسجلة عليها صيني تعلم العربية حديثاً- ويهللون ويغنون للشهر القادم بما يحمله من يسر وفرحة واحتفال.

من الواضح أن الاوضاع الاقتصادية ألقت بظلالها، كما هو شان الاقتصاد في كل جوانب الحياة، على استقبال الناس للشهر هذه السنة. فالأسواق ليست كما هي في السنوات الماضية. صحيح أنها حتى في السنوات الماضية تأثرت بفعل الحصار الغاشم المفروض على قطاع غزة والذي لا يتمنى جل سكان غزة استمراره لأن حياتهم خلاله لم تكن رغيدة ولا سعيدة ولا جميلة ولا كل أسماء حسناوات الأرض كما يحاول بعض الخطباء والمتحدثين تصويرها، وصحيح أن الأوضاع في تراجع مستمر منذ هذا الحصار والإنقلاب وما ترتب عليه من تمزق لحمة الجسد الواحد وتفكك وتهتك النسيج الاجتماعي، وصحيح أن ثلاثة حروب تعرضت شنت على غزة خلقت آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحي وآلاف البيوت المهدمة والعائلات المشردة، وصحيح أن أحلام الناس تراجعت وباتت جرة الغاز وشحن الموبايل اهم بكثير من أحلام كبيرة كانت كفيلة بجعل الحياة ممكنة حتى على صعوبتها، وصحيح أن الوطن لم يعد أكبر من الجميع فهو أكبر من البعض لكن البعض أكبر منه، وصحيح أن غزة باتت تذهب نحو مصيرها وحيدة واستطاب البعض ذلك، وصحيح أن الناس رغم كل ذلك مازالت قابضة على الجمر: لم تبع أحلامها ولا هي تنازلت عن تطلعاتها، وظلت وفية لكل القيم والمعايير الجميلة التي حكمت مسيرة هذا الشعب خلال أكثر من قرن من نضاله للتخلص من ربق الاحتلال وقبضة الجلاد، لكن أيضاً ثمة وطأة شديدة للأوضاع أكثر من ذي قبل. وهذا ليس بيت القصيد. إذ أن الأساس هو أن تنجلي الأمور وتتفكك الأزمات وتنتهي الأوضاع المأساوية التي يعيشها الناس، خاصة أننا عما قريب سنتذكر بأسى الذكرى العاشرة لأحداث حزيران الدموية وما قادت إليه وكيف دفعت الامور والحالة الوطنية إلى قعر الهاوية. ليظل السؤال الأساس: هل يمكن أن يستمر هذا الحال إلى الأبد؟ وهل يمكن لنا في رمضان القادم أيضاً أن نندب حظنا العثر بدلاً من إضاءة المزيد من فوانيس الأحلام البهيجة؟ وهل يمكن للحياة أن تكون أكثر من ممكنة؟ في هذا الكثير من السياسة ولكن فيه أكثر من حياة الناس وأمانيها.

أيضاً لابد من تذكر أن الشهر دخل علينا فيما أسرانا البواسل يخوضون إصرابهم الذي زاد طوله عن شهر وكان يمكن لهم أن يضربوا طوال الشهر الفضيل. الأسرى الذين يشكلون بنضالاتهم رافعة كبيرة لنا ويحملون شعلى الحلم يقبضون عليها رغم القيد. كان يمكن أيضاً لقضيتهم أن تساعد أكثر في توحيدنا، وترميم ما تساقط من جدراننا. لكننا وباستثناء العبارات الجميلة والزيارات الموسمية لمسؤولي الفصائل لخيمة الاعتصام أثبتنا أن فرقتنا عصية على الموت، وإنقسامنا أكثر جموحاً من نزواتنا العابرة ونحن نفكر في المصالحة وإنهاء الشقاق. لابد أنهم الآن يصومون رمضانهم الذي يختلف عن رمضاننا، فرمضانهم لا تصيبه الخلافات ولا تهمين عليه السجالات ولا هم يفكرون كيف يعمقون جراهم بل كيف يلعقونها.

الحكاية الفلسطينية حكاية قاسية في الكثير من مراحلها، وتتسم بالمرارة التي تترك أثراً دائماً في النفس والروح. وهي حكاية تبدو لحظات الفرح فيها، على قلتها، وقتاً لتذكر أعمق للمآسي، وتصير عندها الاحتفالات مناسبة تجري فيها الدموع على الخدود. وفي رمضان أيضاً يبدو ذلك أكثر وضوحاً. فثمة الكثيرين الذين لا يجدون لقمة يمضغونها على السحور وعلى الفطور.فلا أحد يطرق بابهم، لأنهم ربما ليسوا فاعلين في هذا التنظيم أو ذلك أو لا يحبون التسول أمام أبواب الجمعيات ولا التسجيل لديها ومواصلة السؤال. هؤلاء يضيعون أيضاً في جلبة اجندة الإنقسام القاسية. آلاف العائلات لا تجد من يسأل عنها، لأ فاعل الخير لا يجهد نفسه كثيراً ولا يهتم ربما بأكثر من فعل الخير بغض النظر عن المستفيد. وبعض المستفيدين دائمو الاستفادة وقد لا يستحقونها.

لكن رغم ذلك فإن للناس مباهجها الخاصة وطرقها الخاصة في الاحتفاظ بالقليل المتبقى من الفرح والامل، وهم قادرون على ذلك لأنهم يحبون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلاً، واستطاعتهم بقدر الحلم الكبير الذي يحلمونه في صدورهم.

أضف تعليق

التعليقات