الشريط الأخباري

الشرطي "كوهن" هو نحن، الإسرائيليين، وهو- دولة الاحتلال!

مقال : غدعون ليفي (ترجمة عن صحيفة "هآرتس")
نشر بـ 27/03/2017 11:30 , التعديل الأخير 27/03/2017 11:30

مظاهر الصدمة والاستهجان والإدانات التي قوبل بها الشريط الذي يظهر فيها شرطي إسرائيلي وهو يضرب فلسطينياً وينكل به، في القدس – إنما هي مظاهر مبتذلة ومقززة. الشريط وحده هو الأشدَ مضاضة واشمئزازاً من هذه المظاهر. الشرطي أثار القرف لديكم؟ هكذا بالضبط يبدو الاحتلال. انه عنيف، قبيح، وحشي وفظً مثل الشرطي تماماً، هكذا بالضبط تنكَل! إسرائيل بملاين البشر، كل ساعة، كل يوم- منذ خمسين عاماً.

ليس الشريط وحده الذي يعكس الأوضاع الاعتيادية في المناطق المحتلة- فعلى الدوام هنالك جنود وشرطيون إسرائيليون يقوم بضرب الفلسطينيين بهذا الشكل، ويركلونهم ويضربونهم بالنطح بالرأس، وينبحون عليهم ويشتمونهم، مثلما يظهر في الشريط، بل وأسوأ من ذلك- فهذا الشريط يعكس واقعاً أوسع بكثير من واقع الاحتلال. أنه بمثابة صورة الوضع، "سيلفي إسرائيلي". إذا كان فيلم "اكسودوس" يطمح إلى اظهار صورة اسرائيل يوم قيامها عام 1948، فان شريط الشرطي الضارب يُظهر صورة اسرائيل – 2017 اكسودوس كان الحلم، والشرطي الضارب هو حطام ذلك الحلم. شاهدوا الشريط لترونا!

أزعر بالزي الرسمي !

كل إسرائيلي لا بدَ شاهد كماً لا ينتهي من الصور والمشاهد المشابهة في بلاد الشجارات : في الطريق العام ، في المتجر ، في المستشفى . في معلب الكرة القدم ، أو في مراب السيارات . هذه هي اللغة الدارجة في كل طابور تقريباً . "لغة الأم " لدى الإسرائيليين هي العربدة . لماذا التهجَم على الشرطي ؟ انه صورة نمطيه لموطنه ! لقد فعل ما يفعله الجميع، تقريبا . هو ايضا " ابننا جميعا " انه أزعر بالزيَ الرسمي – فما العجب ؟ لقد سبق ان ُنسبت إليه شبهة ضرب مواطن آخر ( يهودي-غ.ب) ولم تر الشرطة صوباً في تقديمه للمحاكمة . وبناء على ذلك فقد تصرَف كما هو متوقع منه . يجدر الانتباه إلى صورة عنفه - انه عنف ذو أقدمية ! عنف يكاد يكون خلقياً . النَطح بالرأس هو سلاح الأزعر المجرب . فالأزعر الخالي من التجربة لا ينطح !

إسرائيل هي بمثابة " أزعر الحارة" !

يجدر كذلك الإصغاء إلى لغته : أنها لكنة إسرائيل ولهجتها .
"أنا سأدفع ثمن هذا ؟ يا ابن العاهرة ... انقلعوا من هنا ... سأخنث أمكم جميعاً " .هكذا يتكلمون في إسرائيل . ليس فقط في الأراضي المحتلة ، وليس فقط في الطريق العام . كل شيء حاضر هنا : القيمة الأهم للكيان الإسرائيلي، الاَ تكون عرضة للخداع (" أنا سأدفع الثمن؟")، التحول الفوري من التهديد إلى الفعل التسيّد، الشعور بأنك أنت السّيّد, النزعة إلى الشعور بالقوة,العجرفة والعنجهية , الفظاظة والغلاظة .
اللغة القذرة الملوثة . حقيقة كونه قد فعل ما فعل وهو يرتدي الزيً الرسمي – لا تغيّر شيئاً . الشرطيون يتحدثون باللغة الاسرائيلية . اسرائيل تنحو منحى العنف لأنها قادرة على ذلك . هي تغير على سوريا وتقوم بالاغتيالات في غزة لأنها تستطيع . انها بمثابة " أزعر الحارة"
(" فتوًة الحتّة، باللهجة المصرية – غ.ب) لأن لا أحد يصدّها. وهي أيضا عنيفة من الداخل لأن هذا الأمر ممكن .

هو القامع،وهم المقموعون !

كذلك فان الشرطي الذي يحمل ذلك الاسم الإسرائيلي الجامع- موشيه كوهن – ينحو منحى العنف لأنه قادر على ذلك . حقيقة كونه واقفاً أمام جمهرة غفيرة من الناس – لم تردعه : هو كان يعرف ، وهم كانوا يعرفون – انه هو القوي ، وهم الضعفاء،هو القامع وهم المقموعون، ولذا فالأمر جائز له . هو سيد البلاد ، وهم الغبار أسفل قدميه . الجميع ادَوا هنا وظيفتهم : انعدام الحيلة والخوف لدى السائقين الفلسطينيين ، الذين خشوا منح الحماية لرفيقهم حيال فظاظة الشرطي . زيً الاحتلال في المواجهة انعدام الحيلة لدى الإنسان الرازح تحت الاحتلال . المسدس في غمده ، انتبهوا الى وقفة شرطي " اليسام" ومشيته : هكذا يتصرف السّيّد . هكذا تتصرف دولته. لكن صورة المشهد قبيحة، جدّ قبيحة , ولذا قامت صرخة اللحظة. أكثر من كونها قد وجّهت نحو الشرطي- وهو سُينسى بسرعة,وثمة شك في ان يقدَم للمحاكمة- فان الصرخة قد وجهت إلى المرآة التي وضعتها , لكأنها صورة شخصية لإسرائيل 2017 .لذلك كم نتمنى ان ننسى هذا الشرطي أيضا.فليصرف من وظيفته، وليبق رهن الحبس المنزلي بضعة أيام ثم فليغرب عن أنظارنا, على حدَ تعبيره هو – المهم إلا يقدَم للمحاكمة. كفانا ما كان في محاكمة ( الجندي) ازاريا .في قرارة أنفسنا كنا نعلم ان هذه كانت محاكمة لنا جميعاً.

الدكتور عزالدين أبو العيش

بعد مرور بضع ساعات على بث الشريط، جرى حفل استقبال في منزل الناشطة السلامية "اليس كريغر" في تل أبيب . وكان ضيف الشرف الدكتور عز الدين ابو العيش ، وهو ذلك الطبيب الغزي الذي فقد ابنتيه بفعل قذيفة إسرائيلية . " الكراهية إنما هي ضرب من الضعف" – هكذا قال الوالد الثاكل باللغة العبرية، باللغة التي أصبحت قلَة قليلة فقط في اسرائيل، قادرة على فهمها. وأضاف: " عمل الخير، والتسامح، الصبر – أنما هي قوة ". وفي ظلمة المساء والشريط – بدت أصداء أقوال الطبيب النبيلة منقطعة عن الواقع، مثيرة للسخرية والضحك ، أو كأنها تكون ضرباً من الهذيان !

(ترجمة:غسان بصول)


 

أضف تعليق

التعليقات