يواجه ذوو الإعاقات في المجتمع العربي عقبات وصعوبات عديدة تؤدي في الكثير من الأحيان الى حرمانهم من أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي كسائر أبناء المجتمع "الطبيعيين" ، إن صح التعبير ، ولأن الإعاقات تختلف بشكلها ومضمونها وتحدياتها التقى مراسلنا مع الشاب علي ناطور (31 عامًا) من قلنسوة الذي يعمل في مجال ترجمة لغة الصم أو ما يعرف بـ "لغة الإشارة" منذ عدة سنوات ويتعامل بشكل يومي مع العديد ممن يعانون صممًا في مجتمعنا العربي ليحاول مساعدتهم على ترجمة أفكارهم وأحاسيسهم إلى لغة يمكن أن تُفهم لدى "الناطقين" ..
البداية ...
أخبرنا علي إن البداية كانت عندما كان عمره لا يتجاوز العشرين عامًا حيث لفته الغموض الذي يلف عالم "ترجمة لغة الإشارة" والإنسانية الكبيرة التي يتطلبها العمل في هكذا مجال ، ومن هناك بدأ الأمر الذي كان يعده مجرد هواية الى أن تحوّل إلى تفكير جدّي بالتوجه لدعم "هوايته" وميله بالدراسة الأكاديميّة ، وبالفعل ، فإن علي يدرس حاليًا على مقاعد عام التخرج في موضوع "مترجم للصم والبكم" في جامعة "بار ايلان" في تل أبيب .
وعن ردود الفعل التي ينقلها المجتمع له فور علمهم بتخصصه قال : إنني أجد في الغالب ردود فعل سلبيّة ومحبطه حيث ان البعض يحاولون إقناعي بترك تخصصي والتوجه لأي تخصص آخر بحجة أن مهنة مترجم لغة الإشارة لا يجني مالاً وفيرًا كما أنه خارج حسابات سوق العمل في بلادنا ، وأضاف : غير أن ما يثبت من عزيمتي ويشد على يدي يبقى موقف والداي وأفراد عائلتي الصغيرة التي تقدم لي الدعم الكامل لتشجيعي على الاستمرار على درب تحقيق حُلمي .
الصُّم يتمتعون بذكاء حاد ويشكّون في كل شيء !!
عن تجربته مع الصم أو الذين يعانون ثقلاً في حاسة السمع قال : إنني أحبهم جدًا لأن هذه الفئة من الناس ، تحديدًا ، تتمتع بخاصيّة فريدة تجعلها قريبة من القلب إضافة إلى أنها تتمتع بنسبة ذكاء عالية ، وربما أستطيع هنا أن أستشهد بالقول المأثور الذي يفيد بأن الله يفقدنا شيئًا ويعوضنا عنه بأشياء ، إضافة لذلك فإن معظمهم يتمتع بخفة ظل لا بد وأن تلحظها ، وأستطيع التأكيد بأنني ، ومن خلال تعاملي اليومي معهم ، أشعر بفرح كبير يملأ قلبي بسبب وجودهم حولي .
علّق علي أيضًا : لا بد وأن أضيف بأن معظمهم يشكّون في كل شيء حولهم ويعيشون حالة ترقب مستمرة وأعزي سبب هذه الحالة كونهم لا يزالون خارج حسابات المجتمع الذي لم يتفهم بعد بأن الصم هم أيضًا أبناء مجتمع فاعلين ويمتلكون طاقات هائلة يجب استغلالها وتطويرها .
مجتمعنا ينقصه الوعي .. والمترجمين !
وأفادنا علي أيضًا بأن مشكلة نقص الوعي تجاه الإنسان المصاب بالصمم في رؤوس غالبية أبناء المجتمع يجعلهم ينبذون هذه الفئة ويعاملون الأصم وكأنه ليس بشريًا أو دعنا نقول يعاملونه وكأنه "بشري أقل منهم" وهذه الفكرة مغلوطة جملة وتفصيلاً حيث إن علينا أن نساهم قدر الإمكان في نشر الوعي والأفكار الإيجابية التي تتمحور حول المصابين بالصمم لمساعدتهم على الانخراط في النسيج الاجتماعي والخروج الى سوق العمل والحياة الاجتماعية .
تابع : كما لا بد لي أن أنوّه الى أن على طلابنا في الوسط العربي الاهتمام بشكل أكبر بدراسة موضوع "ترجمة لغة الإشارة" حيث يعاني مجتمعنا من نقص خطير في عدد المترجمين العرب ، مشيرًا الى أن لغة الترجمة تختلف من ثقافة الى أخرى فإن المترجم اليهودي لن يتمكن من ترجمة ما يود أي عربي أصم قوله بشكل دقيق حيث أن الثقافات تختلف والمرادفات التي تستخدم في كل لغة ، تختلف بالطبع ، عن الأخرى ، بل ومن الجدير بذكره إن لكل مدينة لغة الإشارة التي تميزها حيث أن هناك مرادفات تستخدم في مدينة الناصرة مثلاً ولا تستخدم في قرية عين ماهل مثلاً مع أن البلدين متجاورين !
لذا فإنني أنصح كل من يجد بداخله ميلاً نحو مجال الترجمة عدم التردد والتسجيل للتخصص فيه فورًا لأنه سيجد فيه مساحة كبيرة للعطاء والحب إضافة الى أماكن العمل الكثيرة الشاغرة التي تنتظر من يشغلها ..
ختم علي حواره معنا بتقدمه تحيّة شكر لموقع "بكرا" على اهتمامه بهذه المهنة التي لا يسلّط عليها الضوء الى نادرًا وأمل أن يساهم هذا الحديث في زيادة نسبة الوعي في المجتمع العربي تجاه المصابين بالصمم .
[email protected]
أضف تعليق